سخرية التحولات والأحوال
في رواية "ميترو محال"
عبدالوهام سمكان
- 1-
حك الجرح: القاسم وغير المشترك
في روايته "الطبل الصفيح"، الرواية الأكثر شهرة في الأدب الألماني والتي توجت بجائزة نوبل للآداب في العام 1999، يحملنا غونتر غراس على جناح سخرية بطله القزم إلى الإطلال على واقع بلده، الإجتماعي والثقافي والسياسي، في واحدة من المراحل الأكثر إثارة وغرابة في تاريخ ألمانيا المعاصر، لكن الأجمل في رواية تتناول تاريخا ملغوما وواقعا يعج بالمتناقضات هو ارتكازها على حكاية! حكاية ذلك القزم صاحب الطبل الصفيح ، نزيل مصحة الأمراض العقلية والمراقَب طيلة إقامته بها. القزم الذي سيتوقف نموه فجأة على إثر سقطة! والذي سترتبط حياته بالنقر على طبله وعلى تهشيم الزجاج بالصراخ. هذا التوقف عن النمو سيقود القزم السارد إلى عيش حياة فريدة متفردة، مثلما سيقوده إلى سردها فيما بعد بكل سخرية. لم تكن الحكاية صورة لحياة البطل فقط، بل هي صورة مجتمعه وبلده، صورة مذابح عرقية وأقليات قومية ودينية، صورة حرب عالمية وفكرة نازية. إنه سرد متنكر الوجوه، تنظم خيوطه المتعددة والمتداخلة خيوط حكاية القزم المتمرد السارد، المتوقف عن النمو! لكن في إحدى تطورات الحكاية، ستتكسر الرؤية رغم سحرية المقَدَّم، حين يبدأ القزم فجأة بالنمو ( على إثر سقطة مرة أخرى) في سن تحسب على اليأس!؟ الدلائل عميقة ورامزة، وغونتر غراس المعروف بملاحظاته النقدية الجريئة ، لا يمكنه أن يدمج هذا التحول الفجائي اعتباطيا، ولعل حياة الكاتب ومتغيرات المجتمع الألماني خلال و بعد الحرب العالمية الثانية، رغم كل الضغوطات الدولية، تبرر الحكمة في هذا التحول المحكي.
في رواية "ميترو محال" للكاتب الروائي والمسرحي والسيناريست المغربي يوسف فاضل، تحملنا الحكاية أيضا على جناح سخرية بطل قزم! تنمو الحكاية وتتطور وتتلون خلال ردح من الزمن، يبدأ من عقد الثلاثينيات من القرن المنصرم، ولا يتوقف رغم وصول الحكاية إلى حافة النهر! حين يتوقف البطل القزم عن السرد وهو يسير لتتوقف الحكاية في الظلام "أسير الآن في هذا الليل لأنجو مؤقتا. متحسسا طريقي بين اليتامى والجوالين والمتشردين".
عكس رواية غونتر غراس لا تتكسر الرؤية في رواية ميترو محال. فلئن كانت القواسم متعددة بين الروايتين إبتداء من سردهما حكايتين لبطلين قزمين، بلوغا إلى الإطلال على واقع سياسي واجتماعي وثقافي لكل من بلدي الكاتبين، وذلك عبر لغة ساخرة في سحريتها، لاذعة في سخريتها، وعبر أحداث عميقة الدلالات، رامزة في تطور أحداثها، فإن غير المشترك بين الروايتين هو ذلك التكسير الفجائي الرامز في رواية الطبل الصفيح، عبر استعادة البطل القزم لنموه مؤقتا، في مقابل ذلك اللاتكسير الروتيني (الرامز أيضا) في رواية ميترو محال، عبر استمرار توقف (توقيف) النمو للبطل القزم.
في رواية "ميترو محال" لم يكن توقف النمو انشغالا ذاتيا للبطل! بل إنه يبدو أمرا مسلما به من طرفه ومحبذا في أحيان كثيرة! مثله مثل الحلم "أنا لاأحلم. طولي كذا وكذا ولم أر حلما في منامي أو يقظتي كيفما كان هذا الحلم ".
كان عمر ميترو محال حين أحرز المغرب الإستقلال ثمانية عشر سنة، في نفس سنه تلك تأكد أبوه نهائيا من توقف نموه، وفي الواقع – يحكي البطل- أن نموه توقف قبل ذلك بعقد من الزمن!
لا تبدو لعبة السنوات والأحوال في رواية "ميترو محال" لعبة اعتباطية، فهي حالة ذاتية محضة، لكنها في الآن نفسه مرآة لوضع عام ولتاريخ البلاد، فالتأكد النهائي من توقف النمو في حالة البطل القزم وهو في بداية سن الشباب يوازيه الحصول على الإستقلال! ثم ماذا بعد؟ ماذا بعد هذا الإستقلال؟ لاشيء، ثم لاشيء، ماعدا تلك الصور الساخرة لتطورات الفظاعة عبر شخصيات انتهازية ومتقلبة! وعبر مدن صفيحية (الكاريانات) تقوم بغتة وتختفي في صمت وبكل قسوة، وعبر فقر جارف في مقابل غنى فاحش، وعبر سياسيين و سياسة تٌخْتَصَر في معنى واحد "الإنتخابات" هذه التي تتحول بدورها إلى تجارة وسمسرة!، وعبر جيش ورجال أمن ودرك بلا مسؤولية، اللهم إفزاع الناس وزرع الهلع في قلوبهم، والتخطيط للإنقلابات وزرع الكمائن لبعضهم البعض! وعبر محاولات تغيير واهمة وأحادية يائسة لا تقود سوى إلى المطاردة و الفرارقبل أن تقود إلى المقبرة إن لم تقد إلى السجن!… إنه إذن ذلك اللاتكسير الروتيني الرامز، ذلك التوقف عن النمو، التوقف المستمر و المسَلَّم به، والمبرَّر إستسلاما في إحدى صوره اليائسة " لن تنال في كل الحالات سوى قدرك الضروري مما تجمع في طريقك من ركام انتكاسات آلاف السنين." ترى هل المقصود هنا بطل رواية قزم توقف عن النمو أم وطن بأكمله؟
في أحوال الجمود والركود لا يمكن للمرء أن يتكهن مالذي يترسب؟ ولو أن المسلَّم به والبديهي، أن المترسبات في مثل هذه الأحوال، لن تكون سوى صور فظيعة ، بمجرد مايتم تحريك المياه الآسنة حتى تبدأ تلك الصور بالإنكشاف والطفو. ورواية "ميترو محال" هي حالة فريدة وجريئة ومراوغة بذكاء، من حالات تحريك مياه آسنة راكدة منذ استقلال المغرب، عبرها ستطفو على السطح تلك الصور الفظيعة لمجتمع توقف عن النمو واستكان لحالة ركوده. ولنمو حالات اللانمو!
غير المشترك بين الروايتين " الطبل الصفيح" و "ميترو محال" يوثِّق القاسم بين الكاتبين، وهو ذلك الإرتباط العميق لكل منهما بقضايا بلده، وقدرته على تناولها وطرحها ومعالجتها بأشكال نقدية مختلفة، ستكون من بينها تلك السخر
المزيد