أريد أن أصبح نبيا

يناير 27th, 2009 كتبها رؤى ثقافية نشر في , مقالات

أريد أن أصبح نبيا..

قراءة في قصة النبي للقاص والشاعرالمغربي عبدالوهام سمكان

 

123306

باريس-عبدالجبار خمران

 

  صدر مؤخرا للقاص والشاعر المغربي عبدالوهام سمكان مجموعته القصصية الأولى الموسومة كلاب السوق عن منشورات [مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب] والتي تحوي بين طياتها سبع قصص..أختار منها هنا قصة النبي التي تلخص ،ربما، وبكثير من التكثيف؛ الخيط السحري الناظم ل رؤى هذا المتصوف في راحة الثقافة الجادة ، كما وصفته الكاتبة نجاة الزباير..وبالمناسبة هو أيضا رئيس تحرير جريدة رؤى ثقافية التي نتمنى عودتها إلى الساحة الثقافية بعد ركودها الإضطراري هذا.

  تبدأ قصة النبي والتي استهل بها عبدالوهام سمكان مجموعته القصصية بسؤال. هذا السؤال الذي يواكب الطفل / النبي؛ طيلة أحداث القصة. و السؤال بقصة النبي ظلّ في حالة من البحث عن شيء ما منفلت، شيء ما نريد تحقيقه أو الوصول إلى معادل له أو ما يدل عليه أوفقط التعبير عنه..أو ..أو.. لكن العوائق بالمرصاد، وكل ما يدبّ على الحلم تتعقبه: قنّب الأب المبلول؛ وعصا الزيتون الرقيقة كامتداد ليد المعلم الذي نقوم له ونوفّيه التبجيلا ؛ والذي كاد - بهذه القصة - أن يكون مجنونَا..فهو عندما يسأل الطفل: ماذا ستصبح عندما ستكبر؟ و يجيب البطل : - نبيا، الثلاثة الكبار في القسم يمسكونه ويمددونه على طاولة خلفية وبعصا الزيتون ا

المزيد


الغائبون وخيانة الذاكرة

سبتمبر 25th, 2007 كتبها رؤى ثقافية نشر في , مقالات

الغائب وخيانة الذاكرة

 

عبدالوهام سمكان*

 

 

عرفت الساحة الأدبية والثقافية العربية في السنوات الأخيرة ضمورا من نوع خاص، ارتبط بالأساس بالمبدعين والموت، هذا الذي تسرب إلى أقلام عربية نابضة، قلما يجود التاريخ مرة أخرى بمثيل لها. ولعل فتح صفحة لتلك الأسماء الغائبة، وتعداد مؤلفاتها ووزنها، ودورها التحريضي الذي لعبته ضد الجمود واليأس والخنوع والهروب، خلال مرحلة رمادية انبثقت عن الهزائم المتكررة في شتى المجالات، لن يكون إلا دليلا على الضمور الفعلي الذي سيصاحب غيابها الأشبه بالجماعي.

من الخليج إلى المحيط، من فلسطين إلى المغرب، ينذر أن نجد تراب أرض عربية لم تطأه أقدام و أقلام هؤلاء الغائبين الكبار، الذين بلاشك، غابوا وفي قلوبهم الكثير من الحسرة على هذا الوطن العربي الممزق. ومثلما ينذر أن نجد تراب أرض عربية لم تطأها ولو قدم واحد منهم، فإنه يستحيل أن لا تستقر ذرة من صخب كلماتهم ومواقفهم في قلوب وفكر العديد من الباقين من معاصريهم، وحتى القادمين بعدهم، على امتداد هذه الصحاري الموحشة و الجريحة، القابعة في الصمت والخذيعة و المذلة والإنهيار.

 

مايحز في النفس، ويجعل أثر هذا الضمور أبلغ، ليس في غياب تلك القامات فقط، فالغياب على أية حال يبقى تجربة خاصة  و غامضة وإن كانت مفتوحة في الآن نفسه و تستلزم وجودها على كل كائن حي، ولكن الذي يحز في النفس بشدة، هو ان تقفل الذاكرة الجماعية دفتيها دونهم، وأن تُعَلَّق مشاريعهم غير المكتملة دون أن تجد من يسلط الضوء عليها. فلا وسائل الإعلام العربية المشهورة اليوم بملياراتها المكدسة و صخبها الفانتازي، ولا دور النشر التي لعب بعض الغائبين دورا مهما في انتشارها و شهرتها، ولا الكتاب والفنانون و المفكرون الباقون و الحاضرون الجدد، التفت كما يجب، أو حتى أقل مما يجب، إلى أولئك الغائبين و دورهم الريادي ومشاريعهم التنويرية. لا قناة من القنوات العربية أنجزت و لو روبورطاجا واحدا حقيقيا و جديا، يسلط الأضواء على تاريخ و لو واحد من أولئك الغائبين، وعن تجاربه ومؤلفاته وأفكاره واحتمالاته وأسئلته، هذه التي تعتبر أسئلتنا جميعا، وجسر العبور إلى مستقبل فعلي لهذا الوطن. ولا دار نشر واحدة تفتقت عنها فكرة ترسيخ جائزة قيمة ( ليس بالضرورة ماليا، ولنا في قراءة جائزة الغونكور الفرنسية مثال عن القيمة بعيدا عن المال) تحمل اسم أحد الغائبين، الذي كان يتعامل معها، وبذلك تساهم في حفظ إسمه من النسيان، وتحث على تناول كتاباته دراسة وبحثا، وتكون بذلك هي أيضا أحد أكبر المستفي

المزيد


من هم العدميون الحقيقيون

سبتمبر 5th, 2007 كتبها رؤى ثقافية نشر في , مقالات

تداعيات:

من هم العدميون الحقيقيون بالمغرب؟

عبد الرحيم الخصار *

khassar@gmail.com

 

"ليس الفنان رفضا تاما و لا قبولا تاما لما هو عليه، يجد الفنان نفسه دوما في هذا الالتباس عاجزا عن ان ينكر الواقع، ومع ذلك هو منذورأبدا لمناهضة ما في ذلك الواقع من أشياء غير منتهية باستمرار"       ألبير كامي

 

 

 

    المفهوم الثقافي و السياسي الجديد الذي يواكب انتخابات 2007 بالمغرب هو مفهوم "العدمية" ، و هو بمثابة تهمة تطال جانبا من الصحافة المستقلة ومن المثقفين و المواطنين الذين يعتزمون مقاطعة الانتخابات و لا يرون تقدما كبيرا فيما مرّ و لا يحلمون كثيرا بما سيمرّ.

     وفيما يتعلق بالجانب الثقافي فقد أجرت جريدة الحزب الشيوعي أو الذي كان شيوعيا استطلاعا وسط عدد من المثقفين المغاربة الذين نعتتهم ب"الأدباء الشباب"، وبدا لهذه الجريدة أن هؤلاء "الأدباء الشباب" ينقسمون إلى قسمين :"هناك من يرعى بداخله بذرة التفاؤل و يعلق بالتالي آمالا كبيرة على الحكومة القادمة… وهناك عينة أخرى من الأدباء الذين ترسخت بداخلهم الأفكار العدمية، وباتوا في حالة ميؤوس منها"

    والراجح أن هذا التقديم فيه تسطيح كبير للمسألة، و يصعب بعد قراءة الملف معرفة من هم العدميون الذين تقصدهم الجريدة، ذلك أني لم أر مثقفا عدميا في الاستطلاع إياه، بل إن معظم المتدخلين كانوا واضحين وصرحاء، ويبدو أن الكلمة الأكثر استفزازا هي التي صرّح بها القاص هشام بن الشاوي – و هو الأصغر سنا بين الكتاب الذين شملهم الاستطلاع- الذي قال بأنه لا يهتم بالسياسة ولا تعنيه في شيء و لا يشاهد الأخبار و هو مشغول بكتابة نص روائي في انتظار طبع مجموعته القصصية.

    قد أختلف مع هشام فيما يخص أشكال القطيعة و العزلة، و لكن كتابة رواية بالنسبة لي أنا أيضا أهم و انبل من الحلم بحكومة مقبلة ترعى الثقافة،  و ربما أبدو أنا أيضا عدميا  في نظر أصدقائنا الشيوعيين لأني بدأت تصريحي بهاته الجملة :"بالنسبة لي أنتمي لتلك الفصيلة التي لازالت تؤمن بألا علاقة بين المثقف و السلطة، الحكومة بالن

المزيد


محمد خير الدين: الطائر الأسطوري

يوليو 10th, 2007 كتبها رؤى ثقافية نشر في , مقالات

محمد خير الدين

كــــاتــــب عـــــالـمـي مــن الـمــغـــــــرب لا يــعــــــــرفــــــه الـمــغــــــاربـــــة
طـــــائــر أســــطــــوري
أزرق يـــدعـــى مــحـــــمـــد خـــــيــر الــديـــــن والـــســــــمــاء كـــــلـهــــــا لــه

عبد الرحيم الخصار:

 

قال الروائي إدمون عمران المالح مرةً: "صعب جدا الحديث عن تجربة محمد خير الدين الإبداعية". هذه الصعوبة استشعرتها بنفسي وأنا اتلمس طريقا وعرة إلى الأدغال حيث يعيش هذا "الطائر الأزرق". فحين يقرأ أحدنا لمحمد خير الدين او يقرأ عنه سيحس بالنخوة والوجع، بالزهو والخوف، بالإشراق والخيبة، وبالنار التي تسري في الكلمات والصقيع الذي تخرج إليه. سيحس بعظمة هذا الكاتب وحقارة ما يحيط به.
كان محمد خير الدين كاتبا أثيرا لدى الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا ميتران، وصديقا للفيلسوف جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار. يعرف المتتبعون أن سارتر حين عاد وقبل جائزة نوبل، خصص قسطا منها ليُصرف على خير الدين. كفر سارتر بأشياء كثيرة لكنه آمن بمحمد خير الدين، فتبناه وفتح له أبواب دور النشر الفرنسية وفي مقدمها "سوي" حيث نشر معظم أعماله.
يضيف الروائي عمران المالح: "قيل زمن صدور رواية خير الدين الاولى "أكادير" عام 1967 أنها لا تنبئ فقط بميلاد روائي مبدع باللغة الفرنسية، وإنما بميلاد شاعر كبير بأنفاس شعرية وأسطورية كبيرة". تضعنا هذه الكلمة في الضرورة أمام مفارقة أدبية، فمن الغريب ان يُتنبأ لكاتب يصدر روايته الاولى بأنه سيكون شاعرا كبيرا. جريدة le matin السويسرية تنبأت أيضا بأن أعمال هذا الكاتب ستقرأ بنهم كبير واهتمام بالغ جدا من القراء في القرن الحادي والعشرين.
كان صموئيل بيكيت حامل نوبل الآداب والعابث الأكبر في العالم، معجبا بكتابات خير الدين، الذي يقول عنه الروائي الطاهر بن جلون: "إنه نباش ممتاز في الهوية الأمازيغية". حين أصدر خير الدين مجلة "أنفاس" برفقة عبد اللطيف البعبي وآخرين قال أندره بروتون لجان بول ميشال: "من هنا ستبدأ الثورة".
وفي وقت يسعى بعض شعراء المغرب إلى خلق صداقات، ولو من باب الوهم، مع أدباء فرنسيين وعالميين، والظهور في محاذاتهم كما لو أنهم جنرالات أدب برتبة واحدة، كان أدباء العالم في ذلك الزمن يحتفون بمحمد خير الدين، لأنه محارب عظيم آمن بالمعركة التي يؤمنون بها، فيما كان هو يحتفي بأكونشيش، العجوز الأمازيغي المنسي جنوب المغرب.
عدد هائل من الكتاب الكبار أحاطوا خير الدين بالمحبة والإعجاب وتقاسموا معه شرف الصداقة والكتابة، بينهم ليوبولد سيدار سنغور وجاك لاكان وأندره مالرو وميشال ليريس وايف بونفوا وبيار برنار ومحمد شكري وجاك بيرك وكزافييه كزال وبيار بيارن، الذي سيكون خير الدين سببا في شهرته، فهو الذي أخذ منه قصيدة واستنسخ منها 6000 نسخة وتم توزيعها مع عدد من المناشير لتصبح شعارا لتلك المرحلة.
في نصه الشعري "حيوان تالف" يقول محمد خير الدين: "أنا سليل سلالة منسية، لكنني احمل نارهم". ربما يقصد هنا سلالة الكتاب الذين يملكون عين كاسر وقلب فراشة، وربما يقصد سلالة الأمازيغيين الذين كانوا في ما مضى أهل هذه الأرض وصاروا اليوم يصرخون في الليل والنهار من أجل أن تقرأ لغتهم ولا يطوى تاريخهم.
ولد محمد خير الدين عام 1941 في قرية أزرون وادي، بضواحي مدينة تافراوت جنوب المغرب، وسط العظمة الأمازيغية، حيث التاريخ الممتد إلى أعماق مملكة نوميديا، وحيث الأدب الرائع الذي يسري على ألسنة الناس إلى أيامنا هذه. قد لا تجد هذا الأدب برمته في خزانة او كتاب، لكنك تستلذه وهو يتدفق كشلال جارف من أفواه الراقصين في ليالي احواش، ومن شفاه الصبايا في المراعي او خلف مناسج الجدات. تلقى تعليما مزدوجا والتهم منذ صباه كتب رامبو وبودلير. عهده الاول بالشتات والضياع سيبدأ منذ طلاق أمه من أبيه قبل ان يصل هو إلى سن الرشد. أحب ان يكون مغنيا لكن صوته خانه، عشق أغاني عبد الوهاب واسمهان وعشق أشعار امرئ القيس. حين كان في الثالثة والعشرين من عمره نشر قصيدة في لندن عنوانها "غثيان أسود"، وحاول الانتحار بعدها لكن الموت رفضه. اشتغل بالضمان الاجتماعي من عام 1961 إلى 1963 في أكادير ثم في الدار البيضاء. أصدر في بداية الستينات مجلة "أنفاس" التي تبلورت فيها أقوى حركة أدبية عرفها المغرب الحديث، وقبل عامين من إصدار المجلة كان اطلق بيانا سمّاه "الشعر كله"، ينشد من خلاله حركة تغييرية جذرية في مختلف المجالات وخصوصا الأدب
المزيد


رواية ميترو محال

يونيو 30th, 2007 كتبها رؤى ثقافية نشر في , مقالات

سخرية التحولات والأحوال

 في رواية "ميترو محال"

عبدالوهام سمكان

- 1-

حك الجرح: القاسم وغير المشترك

 

  في روايته "الطبل الصفيح"، الرواية الأكثر شهرة في الأدب الألماني والتي توجت بجائزة نوبل للآداب في العام 1999، يحملنا غونتر غراس على جناح سخرية بطله القزم إلى الإطلال على واقع بلده، الإجتماعي والثقافي والسياسي، في واحدة من المراحل الأكثر إثارة وغرابة في تاريخ ألمانيا المعاصر، لكن الأجمل في رواية تتناول تاريخا ملغوما وواقعا يعج بالمتناقضات هو ارتكازها على حكاية! حكاية ذلك القزم صاحب الطبل الصفيح ، نزيل مصحة الأمراض العقلية والمراقَب طيلة إقامته بها. القزم الذي سيتوقف نموه فجأة على إثر سقطة! والذي سترتبط حياته بالنقر على طبله وعلى تهشيم الزجاج بالصراخ. هذا التوقف عن النمو سيقود القزم السارد إلى عيش حياة فريدة متفردة، مثلما سيقوده إلى سردها فيما بعد بكل سخرية. لم تكن الحكاية صورة لحياة البطل فقط، بل هي صورة مجتمعه وبلده، صورة مذابح عرقية وأقليات قومية ودينية، صورة حرب عالمية وفكرة نازية. إنه سرد متنكر الوجوه، تنظم خيوطه المتعددة والمتداخلة خيوط حكاية القزم المتمرد السارد، المتوقف عن النمو! لكن في إحدى  تطورات الحكاية، ستتكسر الرؤية رغم سحرية المقَدَّم، حين يبدأ القزم فجأة بالنمو ( على إثر سقطة مرة أخرى) في سن تحسب على اليأس!؟ الدلائل عميقة ورامزة، وغونتر غراس المعروف بملاحظاته النقدية الجريئة ، لا يمكنه أن يدمج هذا التحول الفجائي اعتباطيا، ولعل حياة الكاتب ومتغيرات المجتمع الألماني خلال و بعد الحرب العالمية الثانية، رغم كل الضغوطات الدولية، تبرر الحكمة في هذا التحول المحكي.

  في رواية "ميترو محال" للكاتب الروائي والمسرحي والسيناريست المغربي يوسف فاضل، تحملنا الحكاية أيضا على جناح سخرية بطل قزم! تنمو الحكاية وتتطور وتتلون خلال ردح من الزمن، يبدأ من عقد الثلاثينيات من القرن المنصرم، ولا يتوقف رغم وصول الحكاية إلى حافة النهر! حين يتوقف البطل القزم عن السرد وهو يسير لتتوقف الحكاية في الظلام "أسير الآن في هذا الليل لأنجو مؤقتا. متحسسا طريقي بين اليتامى والجوالين والمتشردين".

  عكس رواية غونتر غراس لا تتكسر الرؤية في رواية ميترو محال. فلئن كانت القواسم متعددة بين الروايتين إبتداء من سردهما حكايتين لبطلين قزمين، بلوغا إلى الإطلال على واقع سياسي واجتماعي وثقافي لكل من بلدي الكاتبين، وذلك عبر لغة ساخرة في سحريتها، لاذعة في سخريتها، وعبر أحداث عميقة الدلالات، رامزة في  تطور أحداثها، فإن غير المشترك بين الروايتين هو ذلك التكسير الفجائي الرامز في رواية الطبل الصفيح، عبر استعادة البطل القزم لنموه مؤقتا، في مقابل ذلك اللاتكسير الروتيني (الرامز أيضا) في رواية ميترو محال، عبر استمرار توقف (توقيف) النمو للبطل القزم.

  في رواية "ميترو محال" لم يكن توقف النمو انشغالا ذاتيا للبطل! بل إنه يبدو أمرا مسلما به من طرفه ومحبذا في أحيان كثيرة! مثله مثل الحلم "أنا لاأحلم. طولي كذا وكذا ولم أر حلما في منامي أو يقظتي كيفما كان هذا الحلم ".

  كان عمر ميترو محال حين أحرز المغرب الإستقلال ثمانية عشر سنة، في نفس سنه تلك تأكد أبوه نهائيا من توقف نموه، وفي الواقع – يحكي البطل- أن نموه توقف قبل ذلك بعقد من الزمن!

  لا تبدو لعبة السنوات والأحوال في رواية "ميترو محال" لعبة اعتباطية، فهي حالة ذاتية محضة، لكنها في الآن نفسه مرآة لوضع عام ولتاريخ البلاد، فالتأكد النهائي من توقف النمو في حالة البطل القزم وهو في بداية سن الشباب يوازيه الحصول على الإستقلال! ثم ماذا بعد؟ ماذا بعد هذا الإستقلال؟ لاشيء، ثم لاشيء، ماعدا تلك الصور الساخرة لتطورات الفظاعة عبر شخصيات انتهازية ومتقلبة! وعبر مدن صفيحية (الكاريانات) تقوم بغتة وتختفي في صمت وبكل قسوة، وعبر فقر جارف في مقابل غنى فاحش، وعبر سياسيين و سياسة تٌخْتَصَر في معنى واحد "الإنتخابات" هذه التي تتحول بدورها إلى تجارة وسمسرة!، وعبر جيش ورجال أمن ودرك بلا مسؤولية، اللهم إفزاع الناس وزرع الهلع في قلوبهم، والتخطيط للإنقلابات وزرع الكمائن لبعضهم البعض! وعبر محاولات تغيير واهمة وأحادية يائسة لا تقود سوى إلى المطاردة و الفرارقبل أن تقود إلى  المقبرة إن لم تقد إلى السجن!…  إنه إذن ذلك اللاتكسير الروتيني الرامز، ذلك التوقف عن النمو، التوقف المستمر و المسَلَّم به، والمبرَّر إستسلاما في إحدى صوره اليائسة " لن تنال في كل الحالات سوى قدرك الضروري مما تجمع في طريقك من ركام انتكاسات آلاف السنين."  ترى هل المقصود هنا بطل رواية قزم توقف عن النمو أم وطن بأكمله؟

  في أحوال الجمود والركود لا يمكن للمرء أن يتكهن مالذي يترسب؟ ولو أن المسلَّم به والبديهي، أن المترسبات في مثل هذه الأحوال، لن تكون سوى صور فظيعة ، بمجرد مايتم تحريك المياه الآسنة حتى تبدأ تلك الصور بالإنكشاف والطفو. ورواية "ميترو محال" هي حالة فريدة وجريئة ومراوغة بذكاء، من حالات تحريك مياه آسنة راكدة منذ استقلال المغرب، عبرها ستطفو على السطح تلك الصور الفظيعة لمجتمع توقف عن النمو واستكان لحالة ركوده. ولنمو حالات اللانمو!

  غير المشترك بين الروايتين " الطبل الصفيح" و "ميترو محال" يوثِّق القاسم بين الكاتبين، وهو ذلك الإرتباط العميق لكل منهما بقضايا بلده، وقدرته على تناولها وطرحها ومعالجتها بأشكال نقدية مختلفة، ستكون من بينها تلك السخر

المزيد





كل الحقوق غيرمحفوظة للناشر ولذلك يمكنكم إعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها

-لاحول ولا قوة في بلد مثل بلداننا العربية-