غابرييل غارسيا ماركيز
ودروس المسؤولية للكتاب العرب
عبدالوهام سمكان*
-1-
روى ليعيش
افتتح غابرييل غارسيا ماركيز، واحد من الكتاب القلائل عالميا، الذي يشهد له بنزاهته الأخلاقية، سواء في بداية حياته الإبداعية الموسومة بالفقر والجوع والتشرد، أو بعد أن استطاع أن يجذب قرص الشمس إلى دائرته، ويعيش حياة رخاء وشهرة، افتتح كتاب مذكراته "عشت لأروي" بجملة بسيطة في تلقائيتها، عميقة في بساطتها، كما هي عادته دائما في كل كتبه، ناثرا بذلك أول خيوطه السحرية لحكاية حياة متفردة، دون زخرفة أو تعقيد: "الحياة ليست مايعيشه أحدنا. وإنما هي مايتذكره، وكيف يتذكره ليرويه" .
إن تأمل هذه الجملة البسيطة العميقة، ومحاولة فك تركيبها، ونسف كلماتها الرابطة، قد يحيلنا إلى جملة أكثر منها بساطة، مثلما قد تكون أكثر لغما! " الحياة هي مايرويه أحدنا". لكن ماالذي يمكن أن يرويه أحدنا؟ بلاشك كل الناس رواة، فجميعنا نروي، نروي مانعيشه ومانتخيله، مانحلمه وما نتوهمه، مانراه ومانسمعه ومانقرؤه…، أي أننا نروي كل حدث مرتبط بحياتنا وكل إمكانية حدث إلا الموت!
في أحد ردوده الصادمة في كتاب حوارات ماركيز، يجيب عن سؤال للناقد الألماني فلوريان هويف:" لماذا تخاف من الموت؟" قائلا: "… إن الموت سيكون التجربة الوحيدة التي لن أتمكن من الكتابة عنها …، وسيكون ذلك بمثابة الفشل الكبير الوحيد في حياتي ككاتب". قد يكون من غير السهل على كاتب في حجم ماركيز البوح بإمكانية الفشل، لكن هذا كان سيكون صحيحا لو كان ماركيز عربيا! وليس في هذا الكلام أي تجريح أو إهانة، بل هو مجرد "فلاش" على واقع الحال.
لقد استطاع غابرييل غارسيا ماركيز أن يسرد تفاصيل حياته بامتياز وسحرية دون أن يفصلها عن حياةٍٍ عامةٍ عاشها بلده، لكن الجميل في كل ذلك والمثير هي مواقف ماركيز المسؤولة اتجاه الحياة منذ حمله للقلم واقتناعه برسالته. ففي إحدى تطورات حياته الإبداعية والصحافية سيحكي عن سر أساسي من أسراره جعله يعيش ليروي كما روى ليعيش، قاطعا بذلك الطريق على موت محتمل في الحياة، وهو الخائف أبدا من الموت وبكل أشكاله. في إحدى صفحات " عشت لأروي" حكى ماركيز بحرارة تفاصيل لقائه الأول بغيلبيريتو فييرا، هذا الذي كان يومها الأمين العام للحزب الشيوعي السري في كولومبيا، لكن الأساسي لم يكن اللقاء رغم أهميته وجاذبيته بالنسبة لماركيز حينها، وإنما الطريق الذي سار عليه دوما: " … فقد كنت متفقا معه ( يقصد غلبيريتو فييرا) على أن أفضل خدمة يمكن لي أن أقدمها إلى البلاد، هي في حفاظي على الخط الذي أمضي فيه، دون أن أتورط مع أحد، بأي نوع من الإنتماء السياسي.".1
لقد كان ماركيز يدرك أن كونه صحافيا شابا وقاصا وروائيا في أول طريقه، وسعيا منه إلى قول الحقيقة والقدرة على روايتها يفرض عليه الحفاظ على مسافة مع كل الأطراف في بلده، دولة وحكومات وأحزاب حتى لايموت!
بلاشك أنه في مثل تلك المرحلة أو غيرها، كان يمكن شراء ماركيز. لكن تيقظه التام وإيمانه برسالته وشعبه وبلده، وبالحياة والأخلاق والمسؤولية بشكل أساسي، جعله يقتل جشعه وخوفه على حد سواء، ووهم شهرة مزيفة ومؤقتة وفي غير وقتها وغير مستحقة.
… ولعل هذا مايجب أن يستوعبه مثقفونا العرب بشكل عام، والمغاربة بشكل خاص، هؤلاء الذين لايلبث أحدهم بعد شق طريقه بكل مسؤولية في البداية، أن يقلب "الكبوط" بقدرة قادر ويتنكر لمواقفه وأخلاقه وأصدقائه وحياته برمتها! وهكذا يتحول إلى صديق لأعدائه التاريخيين، جنيرالات الثقافة الجدد، بعدما يكون قد صار بوقا لا ينقطع تطبيله وتزميره، لأحد الأحزاب في أحسن الأحوال، إن لم يكن للدولة ومؤسساتها والمجموعة في أسوإ الأحوال. يقول عبدالرحمن منيف في مقال له بعنوان " العصر الرديء والمثقف الصامت": "…. إن انهيار المثقفين العرب الناتج عن الخوف والإغراء، أصبح إحدى الظواهر المميزة للمرحلة العربية المعاصرة…..، يجب أن يحافظ على استقلال الثقافة واستقلال المثقف، لا أن يزداد اندماجه بآلة الدولة، أو أن يكون صوتها المعبر عن شرعيتها وضرورة استمرارها، كما هو حال الإعلام."2
في مذكرات " عشت لأروي " لن يكون من السهل اكتشاف أن ماركيز في المقابل " روى ليعيش"، أي أنه لم يمسخ نفسه إلى شيء آخر! بل روى كصحافي وكاتب ومسؤول حتى لايموت! ولعل الحياة أنصفته لأنه أنصفها، وفي هذا درس لأشباه مثقفينا العرب والمغاربة، الذين يسعون إلى الموت عبر انمساخهم وتردي مواقفهم وخوفهم وجشعهم وتطبيلهم. أي إنصاف سينتظره مثل هؤلاء من الحياة والقراء؟ بل ماذا سيكتبون بعد سنوات في مذكراتهم؟ ترى هل سيكتبون خداعا أنهم رووا ليعيشوا أم سيروون حقيقة أنهم زمروا وطبلوا وانمسخوا وتمسحوا.. فماتوا؟
قال بريخت: " إنهم لن يقولوا: كانت الأزمنة رديئة، وإنما سيقولون لماذا صمت الشعراء؟".
ليتهم صمتوا!.
-2-
التغريب
أو العمى اللا بورخيسي
من من الكتاب العرب المعاصرين قرأ لكتاب أمريكا اللاتينية المعاصرين، ولم يسقط في فخهم وسحر إغرائهم؟ إن عوالمهم السحرية، وشخصيات رواياتهم وقصصهم الخيالية والخرافية، تجعلنا نسقط ضحايا دهشة قاتلة! كيف يكتب هؤلاء العمالقة أعمالهم؟ أية مخيلات تلك التي منحها الله لهم؟ وأي واقع خرافي يعيشونه فيفجر كل تلك المواهب فيهم؟ وكل تلك الحكايات العجائبية؟
لقد شكل فعلا كتاب أمريكا اللاتينية ظاهرة نوعية في الأدب العالمي طيلة القرن العشرين. ولعل المتأمل في نتاجات بابلو نيرودا، بورخيس، خورخي أمادو، ماريا فارغاس، كورتزار، غارسيا ماركيز، إيزابيل ألليندي… وآخرين، لايمكنه إلا أن يحط سلاحه! ليس بهدف الإنسحاب من الساحة، وإنما من أجل إعادة بناء مقوماته، وشحذ تجربته.
في إحدى صفحات " عشت لأروي" يشير غابرييل غارسيا ماركيز أن أحد الكتب الأولى في حياته، التي كان لها تأثير بالغ عليه، هو الكتاب العربي "ألف ليلة وليلة"، وهذا قد لايبدو مفاجئا إذا ماتذكرنا أن ابن قارته الأرجنتيني بورخيس، عميد القصة القصيرة عالميا، أكد أيضا غير مامرة قيمة هذا الكتاب في تكوينه وثقافته وإبداعه. ولعل المت
المزيد