رامبو السينما

عبد الاله غاوش
بحلول السادس و العشرون من شهر أبريل الماضي ، تكون قد مرت مائة سنة على ولادة » جون فيغو« ، المخرج السينمائي الفرنسي ، الذي دخل تاريخ السينما من بابه الواسع ،بأربعة أفلام فقط ، ثلاثة منها قصيرة و واحد روائي مطول ، و لكن برؤية جديدة ، طليعية حتى بمقاييس الحاضر ، تتكئ على لغة شعرية مرهفة لقراءة » الواقع « الذي ليس » واقعيا « تماما ، و قد يرهن » فيغو « على ذلك حتى في أفلام وثائقية مثل » حول نيس « أو » فيما يخص نيس « ( أنظر الفيلموغرافيا ) و » تاريس ، أو السباحة « حول بطل فرنسا في السباحة » تاريس « ، لقد أسس » فيغو « لكتابة فيلمية حلمية تتوسل أدوات الشعر للتعبير عن الواقع كتابة لا تفصل بين » الواقعي « و » الشعري « واضعهما بين مزدوجتين لالتباسهما الشديد في فيلم » فيما يخص نيس « تجاور ، عبر المونتاج ، لقطات » واقعية « لمدينة » نيس « ينتج عنه انفجارات شعرية ( مجاز ، استعارة ) مشحونة بالموسيقى ، الفكاهة و النظرة اللاذعة ، تكشف عن رؤية نقدية ، لا تستسلم للظاهر المخاتل، مثال ( تجاور لقطات الفتيات اللواتي يرقصن في الكرنفال و هي لقطات مليئة بالموسيقى و فرح الحياة ، ثم لقطة للصليب في أحد المقابر ، حيث تصمت الموسيقى و يسود الجمود و السكون ، ثم من جديد الفتيات الراقصات ، و الموسيقى المليئة بالحياة ) هذا الإستعمال المجازي ينتج عنه » واقع « آخر لا تراه إلا عين الشاعر السينمائي ، هناك أمثلة كثيرة لا يتسع المجال لحصرها و ندعو القراء للعودة إلى قرص D.V.D الذي أصدرته شركة » GAUMONT « و يضم الافلام الأربعة التي خلفها » جون فيغو « . لقد لقب بعض النقاد السينمائيون » جون فيغو « »برامبو « السينما ، للغته السينمائية ، و لكن أيضا لتشابه مساريهما الحياتي ، الأعمال القليلة و المهمة التي خلفها ، الموت قبل الأوان ، التمرد ، و النبوغ في سن مبكرة ، فقد توفي » جون فيغو « عن تسعة و عشرين عاما نتيجة لداء السل ، و قد ولد لصحفي » فوضوي « اتهم بالخيانة و أودع السجن لكنه سرعان ما انتحر داخل أسواره ، و قد عاش » جون « باسم مستعار فترة من حياته قبل أن يعود إلىاسمه الحقيقي ، فترة تكوين » فيغو « الثقافية كانت غنية جدا، الفوضوية ، السريالية ( في تلك الفترة انتجت أفلام مثل » كلب اندلسي « للويس بونويل ) التحليل النفسي…الخ لكن » جون فيغو « لم يغرق تماما في تلك المدارس و الاتجاهات الشديدة التأثير في تلك الفترة ، و دعا إلى » سينما اجتماعية « لكن لا يمكن إنكار تأثير تلك المدارس و الاتجاهات على افلامه ، الفوضوية تبدو واضحة في فيلم » حسن السلوك صفر « أو السريالية في » أطلانط « عبر شخصية » الأب جيل « ، خاصة في مشاهد غرفته التي تزدحم بأشياء و تحف جمعها عبر حياته الطويلة كبحار ، و » جولييت « حين تتجول بين محتويات الغرفة نشعر كأننا بإزاء سرد لحلم، أو تدفق لا وعي مُجَمَّلٍ بصور لا رابط بينها ، » ظاهريا « على الأقل ، هذا » الشطح « البصري نراه لدى سينمائيين سرياليين مثل » بونويل « و » دالي « . و لقطة اليد المحفوظة في زجاجة لها التأثير نفسه للقطة »العين و الشفرة « في فيلم » كلب أندلسي « » لبونويل « من وجهة نظري .
المدينة كلا مكان
في سينما » فيغو « نلاحظ تلك العلاقة الإشكالية مع المدينة ، كمكان للفقدان للضياع ، للرياء الإجتماعي و الإستلاب … إلخ في فيلم » فيما يخص نيس « الوجوه تتماهى مع أقنعة الكرنفال كإشارة إلى الرياء و التصنع …ثم السياح الذين يشار إليهم في لقطة ممنتجة كدمى…الخ في » أطلانط « تتضح الصورة أكثر حيث تتحول المدينة إلى جنية ( كالنداهة في قصة يوسف إدريس الشهيرة ) تغري البطلة » جولييت « القادمة من قرية صغيرة ، تدعوها إليها عبر كلمات المهرج الجميلة عن باريس ، و عبر الراديو ، فتحلم بالذهاب إليها حتى إذا اتخذ ذلك الذهاب شكل هروب من السفينة













































