ظمأ
فصل من رواية حياة مهجورة
عبدالوهام سمكان

استبد بي الحنين بوحشية إلى مدينتي الأصل وأصدقائي القدامى، إلى ذكريات الطفولة واليفوعة، حدث هذا حين طلقتني زوجتي ماري. غادرت قاعة المحكمة دون أن أرفع نظري عن الأرض ولو باتجاه ولدي أحسست بأنني تخلصت من كل ثقل العالم في اللحظة التي نطق فيها القاضي بالطلاق. خرجت إلى شوارع باريس بحرية جديدة. كان الجو باردا، وكانت ما تزال ندف الثلج تتساقط ثقيلة وكأنها تسقط من فم مدفع.
نعم تخلصت من كل ثقل العالم في تلك اللحظة! تخلصت منه، وشعرت أني صرت خفيفا كفكرة عابرة. غير أن شعوري هذا لم يعمر طويلا، فسرعان ما شدني ثقل الحنين إلى الأرض، مكث على قلبي كمدية حادة، حتى شعرت أن كل أضلاعي تتقطع. صرت أتجول في شوارع باريس شبه الفارغة من المارة، وكأني أسير وسط مقبرة قديمة تحت الأرض، لا أثر فيها لروح آدمية حية سواي. أنظر إلى الواجهات الزجاجية فلا أرى سوى هيئتي والفراغ، فأتذكر. أتذكر مراكش. أتذكر شوارعها العامرة وكأنها أبدا في موسم لا ينتهي. تلك الضحكات العالية، أصوات الناس، ولغة الأيدي وهي تصفق دون مناسبة، خالقة بذلك لحظة فرح خفية في أية لحظة ودون توقع وفي أي مكان، وهي تعلن طرح دقة مراكشية. حياة نابضة بكل شيء ومن لا شيء. كنت وأنا أقطع المسافة مساء من حي جليز إلى ساحة جامع الفنا عبر شارع محمد الخامس، أصادف الكثير من الأصدقاء، أحيي كل واحد على حدة بمحبة وشوق جامحين، وكأنا لم نلتق من سنين. نسأل عن الأحوال والعائلة، نحكي نكاتا، نتكلم عن مباريات كرة القدم، وعن الانتخابات الأخيرة، عن صديقات قديمات، وعن العالم، العالم الشاسع، وكأنه لوحة متحركة أمامنا. نتحدث عن كل شيء قبل أن نفترق متمنين رؤية بعضنا عما قريب. فيحدث ونلتقي بعد أيام، ولربما بعد يوم واحد لنعيد عيش اللحظة ذاتها بفرح جديد، وبنفس الحكايات في حلل جديدة.
- أين غابت كل تلك اللحظات الجميلة و الباذخة؟
قلت لنفسي وأنا ما أزال أتجول تائها في شوارع باريس القاتمة، وخلفي ما تزال ترن كلمة الطلاق وهي تخرج من فم القاضي كطلقة رحمة قبل أزيد من ثلاث ساعات، قطعت خلالها أزيد من عشرين شارعا وثلاثة أو أربعة شوارع رئيسية ومررت على حديقتين دون أن أستريح. كنت أحس بغربة فادحة وكأني لست أنا نفسي من عاش هنا خمسة عشر سنة. ترى لم كل هذا الإحساس المفاجئ بالغربة؟! هل لأنني لم أتحمل صدمة الطلاق؟! لا. الطلاق أصلا لم يكن صدمة! كان رغبة قديمة دفينة. فرغم أني وماري نعيش منذ ثلاثة عشرة سنة تحت سقف واحد، لم أشعر حقا ولو لمرة واحدة بأننا سنبقى إلى الأبد. لقد كانت تلك الحياة مجرد ملجأ مرحلي لكلينا. كنت في حاجة إليها، إلى سقف بيتها وسرير نومها، وخصوصا إلى دار نشرها، ولم يكن يهمني أن تكون ماري أو غيرها. وهي كانت بحاجة إلي كي تشعر بأنوثتها ووجودها. كانت تكبرني بما يقارب العشر سنوات. وكانت وحيدة بلا زوج ولا أولاد. تدير بشكل سيء دارا للنشر ورثتها عن أبويها بعد أن ماتا في حادثة سير مروعة رفقة أخيها ماريون. ولم تستطع أن تهرب من صدمة ذلك إلى درجة أنها قبل أن ألتقيها قامت بمحاولتين انتحاريتين فاشلتين، وكانت تحت وطأة التفكير في محاولة ثالثة حين ظهرت خلال ذلك الصباح الربيعي بمكتبها، بشكلي الوسيم ، رغم الملابس الرثة وكمشةُ أوراق في يدي. قالت لي عامين بعد ذلك وأنا أنهي أول حفل توقيع لروايتي الأولى "ثقب محجوب":
- تعرف، حين رأيتك خلال ذلك الصباح، لم أتردد في داخلي من الشعور أنك حبل نجاتي، وأني علي أن أكون عكاز طريقك. وها أنت ترى…أنا الآن معك أسعد من أي وقت مضى، وأنت تقطف ثمار أول نجاحك. لن أفكر بالذين رحلوا بعد الآن !
قالت هذا ومررت يدها اليمنى على بطنها المنتفخ فقبلتها، ليس بدافع الحب ولكن من قبيل الشعور بالإمتنان.
لقد كان وجودنا مع بعضنا ضروريا للآخر مرحليا فقط. وبالتالي فطلاقنا بعد سنوات. وولدين و سبعة أعمال روائية ناجحة لي، ودار نشر مكتملة بالنسبة إليها، لم يكن صدمة.
من أين يأتي إذن هذا الإحساس الجارح بالغربة الفادحة؟ تساءلت وأنا أدفع الباب الزجاجي لمقهى"stop la chapelle" الذي يذكرني بمقهى الحمراء بشارع علال الفاسي بمراكش.
- قهوة سوداء. قلت لمريم، النادلة الجزائرية وأنا أغمز لها بعيني اليسرى، ثم اتجهت إلى طاولة شبه مخفية في نهاية المقهى. وكانت هي تفهم من حركتيﱠ هاتين أنني لا أرغب رؤية أحد من أصدقائي العرب إن سأل عني.
- هل أنت بخير أستاذ أيوب. قالت وهي تضع كوب القهوة أمامي.
- نعم أنا بخير. شكرا. فقط أحتاج أن أكون لوحدي لأفكر في بعض الأمور.
- براحتك.. على العموم أنا في خدمتك! قالت واستدارت في نفس اللحظة. بقيت أنظر إلى ساقيها السمراوين المزغبين وإلى مؤخرتها المتلاعبة بلباقة إلى أن اختفت، وأنا أحس برغبة جنسية تولدت فجأة وانطفأت بسرعة.
من أين يأتي هذه الإحساس المكثف بالغربة؟ أمن حنيني المفاجئ إلى مراكش وإلى أصدقائي القدامى؟ لا. فهذا الإحس
المزيد