أمريكا الأخرى(1
إدوارد سعيد
تقديم وترجمة: عبد الإله شاهد
تقديم:
مزداد العام
خلال مسيرته الفكرية قاوم بشدة من أجل نقض الأحكام المسبقة للغرب عن العرب والإسلام، رافضا شيطنة الإسلام، مدافعا عن كرامة شعبه، مصرا بقوة وشجاعة على نظرة لدور المثقف تعطي للقضية نبلها الحقيقي "إذا لم يكن المفكر مرتبطا شخصيا بثمن الحقيقة في الصراع السياسي، لا يستطيع أن يواجه بكل مسؤولية مجموع التجربة المعاشة".
كعضو سابق في المجلس الوطني الفلسطيني، كان أحد مفاوضي الظل، سيقف معارضا بشدة لتسوية أسلو (1993م) وسلطة المرحوم ياسر عرفات. هذا الأخير "سيكافئه" بمنع كتبه من دخول أراضي السلطة الفلسطينية !
المقال التالي هو نظرة مثقف حر كما نعثه خوان غويتيسلو لأمريكا الأخرى التي يعجز قادتنا ومستشاروهم عن فهمها. إنه "نظرة إجمالية للمشهد العام للولايات المتحدة، كما يراه أمريكي مثلي يحتفظ بحكم اصوله الفلسطينية، بنظرة الأجنبي." يقول الفقيد. إنه تأكيد آخر على جدوى وضرورة وتلازم إنخراط المثقف في العالم خارج كل الأنظمة الكابحة.
أمريكا الأخرى
في الأول من شهر فبراير (2003م/م) ورد خبر صغير مفاده أن الأمير الوليد بن طلال قد تبرع مؤخرا بمبلغ عشرة ملايين دولار للجامعة الأمريكية في القاهرة قصد إنشاء قسم خاص بالدراسات الأمريكية. كان أيضا قد تبرع بمبلغ عشرة ملايين دولار لمدينة نيويورك بعد تعرضها لاعتداءات 11 شتنبر، وبين في رسالة الهبة أنه يقوم بذلك من باب الاحترام للمدينة، مضيفا أنه على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في سياستها بالشرق الأوسط.
رودولف جيولياني، حاكم نيويورك ذات الجالية اليهودية الكبرى في العالم، استشاط غضبا، وأعاد الشيك للأمير من غير رسميات، في سلوك ينم عن العنصرية والاحتقار، والعدوانية في آن. فهو بدفاعه عن صورة نيويورك، يقدم لها دعما شخصيا يتمثل في الرفض المبدئي لأي تدخل في شؤونها، دون أن نغفل بكل تأكيد تملقه أصوات الناخبين اليهود، هذا التصرف الفظ لحاكم نيويورك شبيه برفضه سنة 1995م الموافقة على حضور السيد ياسر عرفات الحفلة الموسيقية في أل "فيلهارمونيك هول" التي دعيت لها جميع الشخصيات التي كانت موجودة في الأمم المتحدة(…)
ربما تؤكد هذه الوقائع النظرة الخيالية تماما إلى الواقع الأمريكي التي ينطلق منها القادة العرب ومستشاروهم المتخرجون عادة من الولايات المتحدة لتحديد سياسة بلدانهم. إنها نظرة تفتقد واقعيا للتماسك، إذ تتمحور حول الفكرة القائلة بأن "الأمريكيين" يقررون كل شيء في العالم..، وأن الولايات المتحدة ليست سوى مؤامرة يهودية، إلى تلك التي تدعي أنها ليست سوى مصدرا لا ينضب للبراءة والطيبة ومساعدة الضحايا..
خلال مدى من عشرين عاما كنت أتردد فيها على السيد ياسر عرفات، حاولت ان أوضح له أن امريكا مجتمع معقد تتشابك فيه التيارات والمصالح والضغوط والقصص العجيبة، وأنها لا تحكم مثل سوريا، وأنها كحكم وسلطة نمودج مختلف يستحق الدراسة. وأوعزت لصديقي المرحوم إقبال أحمد للقيام بدراسة مع خبراء عرفات. باء ذلك بالفشل..، وقد صدمه المعرفة الدقيقة والمفصلة من جانب جبهة التحرير الوطني الجزائرية والفيتناميين بمجتمع العاصمتين (باريس- واشنطن) وبين معرفة الفلسطينيين الأقرب ما تكون إلى الكاريكاتور بأمريكا و المستندة إلى المزاعم والقراءات السريعة والمبسترة لجريدة التايمز.
فالسيد عرفات لم يكن يحلم إلا بشيء واحد هو أن يدعى شخصيا للبيت الأبيض، ويتفاوض مباشرة مع هذا الرجل من البيض، السيد بيل كلينتون، كما يحصل له عندما يجد نفسه في موقع الند مع الرئيس حسين مبارك وحافظ الأسد(…)
أود هنا أن اقدم نظرة إجمالية للمشهد العجيب للولايات المتحدة الأمريكية، كما يراه أمريكي مثلي، يحتفظ بحكم أصوله الفلسطينية بنظرة الأجنبي، وأريد أن اقترح بعض المسالك لفهم هذا البلد من اجل مقاربة افضل، وإذا سمحت الظروف في العالم من أجل مقاومة هذا البلد غير الأحادي التركيب كما يظن دوما.
لكل امبراطورية أصالتها، وتؤكد عزمها على عدم إعادة الطموحات الجمودة للأسلاف. الولايات المتحدة تدعي إلى ذلك إضافة أخرى هي غيرية قدسية وبراءة القصد السليم. على هذا الأساس تحركت دعما لهذا الوهم المقلق كتائب من المفكرين ذوي النزاعات اليسارية سابقا. هؤلاء تميزوا فيما مضى بمعارضتهم لأي مغامرة عسكرية، لكن غذوا اليوم مدافعين عن فكرة الامبراطورية الفاضلة بأساليب مختلفة، تتراوح ما بين النزعة ال













































