إبدالات الكتابة الشعرية في القصيدة المغربية
"ليتني أعمى"
لمحمد بنطلحة
محمد علوط
كتب محمد بنطلحة الكثير من شعره مابين مدن مغربية متباعدة الأنحاء. فاس: العتبات الأولى في هشاشة الحلم، وطراوة التجربة الندية، ومواقع الاختبار الذاتي، التي تبدو كمحفل لطقس رمزي، يمكن أن نلملم الكثير من عناصره، المطرزة، الموشية، والمرقمة، لأناشيده الشعرية الأولى، وعبر امتداد تجربته الشعرية عارمة.
و مراكش: سفر الاستقصاء، الذي يصل الشمال بالجنوب المغربي، في رحلة أوديسية، اكتنز فيها الصوت الشعري بأثقال العناء الإنساني، من قسوة تضاريس المشهد السبعيني، إلى التواءات ومنعرجات المشهد الثمانيني، وغربة الأمداء التسعينية، لتجربة إبداعية، قاومت بضراوةٍ شتَّى دواعي الانكسار والإحباط، في مختلف آفاقها الإنسانية، والاجتماعية، والإيديولوجية.
ثمة مداخل متعددة لقراءة تجربة شعرية مثل هاته، بعيدا عن القراءات التصنيفية التي تحول الكتابة الإبداعية إلى ترسيمات هندسية متاهية، خالية من عطر الشعر، ووهج ألوانه، واستنارات رؤاه، وامتداد رحابته التي ترفض ضيق العالم وانحسار المعنى وتلاشي الذات وضآلة الوجود.
فلئن بدا ممكنا استكناه مقامات هذه التجربة في ديوانه الأول "نشيد البجع" (ط1، 1989، ط 2 1996)، كمحيط إبداعي، من حيث إدراكنا لمتخيله الشعري، كمتخيل يستند إلى "استعارة الصوت الملحمي" تلك الأليجوريا التي تستنبت المعنى "البروميثيوسي"، وتكتب من خلاله رؤيا ملحمية للواقع الإنساني، وهي لا تكف، دون هوادة، عن استعارة مختلف الصور والرموز والأقنعة والأساطير المتصادية مع هذه الرؤيا، إثباتا ونفيا، من عمق تجربة لم تكن فقط تشرع مسافات حوار مع المنجز الشعري المغربي (من السبعينات إلى منتصف الثمانينات تعميما…)، وإنما أيضا، كانت تحاور القصيدة الحداثية مشرقيا في سجلاتها الموازية، التي يمكن توصيفها ب "الشعر الرؤيوي"، التي هيمن عليها أسلوب أدائي تميز بشعرية غنائية تعتمد أبنية إيقاعية ظاهرة، وتعمل على أسطرة الأقنعة، ووضوح الامتداد الإديولوجي المحايث للتجربة الشعورية، وتكسير أبنية المكان والزمن (السياب، البياتي، عبد الصبور، أدونيس.. ومن لف في هذا الصوب).
في هذه اللحظة الإبداعية كتب محمد بن طلحة قصائده الأثيرة "مواويل العزاء" مستحضرا رمز العنقاء، وقصيدتا "خولة" و"ديوان الحال" الأقرب إلى تمثل الصوت الملحمي، وقصيدة "ديوان الشهادة" التي تجتلب صوت الشهيد ورموز التضحية والقربان، وباقي القصائد الأخرى من هذا الديوان التي توزعت بنيته الرمزية أيضا على اعتماد تنامي المعنى الشعري، من خلال امتدادات "الاستعارة المائية" (في رمزية الميلاد) و"الاستعارة النارية" لاستنارة رؤيوية: لجنائزية عالم آفل وتنبؤ بانبعاث عالم جديد ومغاير، ومن عمق هذه الرؤيا يمكن استجلاء المعنى الشعري في قصيدة "نار القرى"، حيث نقرأ منها:
"مازال نبض الوريدين ينقل نارين: واحدة للحريق،
وثانية للتداوي بها. هاك قلبي تجده براكين
تشهق.
(…)
ليت المنازل تفتح أبوابها للوجوه التي أشْرقتْ
في رسيس الزنازن سمرتها، والوجوه التي
افترشت دفتي وطن عرضه زمن سيجيء،
وشمسه أحلى. فلا خجل الآن. بوغاز
طارق متسع للحرائقِ. والقلب نار تضيء".
(ص 37-38)
النقلة الشعرية، النوعية في تجلياتها، ضمن هذا المسار الشعري المتحول، شَغَلَتْ مساحة ديوانين تاليين وهما "غيمة أو حجر" (ط 1، 1990.ط2 1995) و"سدوم" (ط 1، 1992). وكانا معا نزوعا قويا لارتياد أفق شعري مغاير, تشكَّل في حميا الرؤى الرافضة لنسقية "الشعر الرؤيوي" ومستنداته الجمالية (سابقة الذكر) والإيديولوجية التي صارت تحد من فاعلية الإبداع الشعري الحر. ويمكن أن ننظر إلى هذه "الثورة الانقلابية" كتمرد ضد النسق الشعري المتشابه، وتكلس الجماليات الكتابية، وتحنيط أفق انتظار القصيدة، لأنها لم تعد مغامرة في المجهول القابل للاستكشاف، بل مراودة سيزيفية للمتشابه الشعري وألفة فضاءاته المحدودة والمغلقة.
ينزع الشاعر في قصائده الجديدة إلى تأزيم الشعرية الغنائية (انطلاق النسق التفعيلي، الأسلوبية التكرارية، والتجنيسية، والتناسب التركيبي) باللجوء إل













































