أحمد بوزفورلجريدة رؤى׃

أجرى الحوار׃ عبدالوهام سمكان
ماذا نفعل لكي نتعبأ ضد الأمية والضحالة والانتهازية والصمت؟ ضد الأنانية واللصوصية وقيم الاستهلاك العقيم؟ماذا نفعل لكي لا يفلس المثقفون كما أفلس السياسيون؟
◘الأستاذ أحمد بوزفور،تفتح جريدة رؤى أول ملفاتها حول المشهد الثقافي المغربي الحالي،وبالضبط حول ما يمكن نعته بصراع الأجيال.وقد لاحظنا بعد إعلانك رفض الجائزة أن معظم المدافعين عن موقفك هم من المثقفين الشباب،أما من حاولوا الطعن في موقفك فهم غالبا من مجايليك.كيف تقرأ هذه الملاحظة /المفارقة؟ أيضا،هل يمكن الحديث عما يسمى بصراع الأجيال في المشهد الثقافي المغربي أم هو صراع من نوع آخر؟
●ملاحظتك صحيحة.معظم الذين تضامنوا مع بيان الرفض كانوا من المثقفين الشبان .وأنا أعتبر أن ذلك طبيعي׃
أولا׃ لأن البيان يعبر عنهم،عن أوضاعهم،وعما يحسون به إزاء هذه الأوضاع.
ثانيا׃ لأنني أنا نفسي أنتمي إليهم أكثر مما أنتمي إلى جيلي،فأنا أعتبر نفسي شابا،في ثلاثة أشياء على الأقل ׃
- في رؤيتي إلى العالم،هذه الرؤية التي تعتبر أن الأجمل هو الذي لم يأت بعد،وليس هو الذي مضى.
- في الاتجاه الفني الذي أنتمي إليه، فكتابتي تميل إلى التجريب أكثر مما تميل إلى الكلسكة والاعتدال.
- في حظي التعس من خيرات بلادي،فأنا لا أملك في آخر عمري إلا ما يملكه الشبان في أوائل أعمارهم ׃الأمل رغم كل شيء،والرفض الشريف الواعي رغم كل شيء، والإصرار على تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية رغم كل شيء.
ثالثا ׃لأن الكثيرين من أبناء جيلي يميلون إلى العزلة والتواري، ويعزفون عن الظهور أمام الناس.وقد عبر لي عدد منهم عن تضامنهم دون أن يعلنوا ذلك في الصحف، وأنا أثق بهم.
ثم إن الذين طعنوا في البيان أو أولوه تأويلا مغرضا، لم يفعلوا ذلك لأنهم من جيلي، وليسوا كلهم كذلك، بل فعلوه لان ظروفهم ومصالحهم تقتضي ذلك.
أما بالنسبة لصراع الأجيال فاعتقد أن في ملاحظتك السابقة ردا لفكرته. إن للزمن فعله المؤثر بالتأكيد، ورؤية شيخ مسن إلى الحياة والناس لن تكون قطعا كرؤية شاب صغير.غير أن هذا يبرز في ظروف عادية،وفي مجتمعات تتقدم باطراد، ودون تعقيدات .أما في مجتمعنا المغربي ، فالأزمات المتظافرة والظروف غير الطبيعية والاحباطات والخيبات واتساع رقعة الفقر والبطالة والأمية، وتسيد قيم الأنانية واللصوصية والانتهازية ،كل ذلك يقلص الفروق بين الأجيال أو بين الأجناس أو بين المناطق…لصالح الفروق بين الطبقات.
لم يعد المهم أن تكون شيخا أو شابا، رجلا أو امرأة ،مدينيا أو عروبيا، عالما أو جاهلا ، يمينيا أو يساريا، المهم هو المثل السائد الآن ׃شحال فجيبك شحال كاتسوا. ما يؤلمني ليس هو مواقف الذين يملكون في الدفاع عن مصالحهم، المؤلم هو دفاع بعض الذين لا يملكون عن مصالح الذين يملكون.
◘ حتى نظل مرتبطين بحدث الرفض، لقد أعلنت بيانا فاضحا وكاشفا، غير أن الغريب في الأمر هو انقسام المثقفين إلى مدافع عن حقك في الرفض وطاعن فيه.وتجاهل الكل ما تضمنه البيان . ألا يمكن القول ،أن ما أتى بعد البيان هو تقزيم للبيان في كل الأحوال؟
●حين نشر البيان كان أول رد عليه هو رد الذين هاجموه، ولأنهم لم يهاجموا البيان نفسه وما فيه من أفكار وآراء بقدر ما هاجموا صاحب البيان وافترضوا انه يستبطن نوايا وأغراضا لم يعلنها ، فقد كانت اغلب كتابات المدافعين ردود أفعال على المهاجمين .ورد الفعل ،كما تعرف، يساوي الفعل في النوع والمقدار .أنا اعترف بذكاء المهاجمين ،كانت سهام البيان تتجه نحو الحكومة وبرامجها ،فعملوا، ونجحوا إلى حد بعيد، على أن تتجه السهام نحوهم هم. غير أن هذه الملاحظة لا تشمل كل الردود طبعا، فقد فطن بعض المدافعين إلى هذا،وركزوا في كتاباتهم على أفكار البيان.وحتى لا نستمر في تجاهل البيان وتهميشه، فماهي أهم أفكاره؟ لقد لفت البيان الانتباه إلى الوضع الثقافي الكارثي ׃
-ارتفاع نسبة الأمية ، وانخفاض نسبة القراءة، والتعرية الصحية للكتاب والأدباء …الخ
- لفت الانتباه إلى الأسباب العميقة لهذا الوضع الكارثي ׃ والكامنة اقتصاديا في تعاظم الفروق بين الطبقات،وبين الأجور الدنيا والأجور العليا وفي البطالة والحريك الانتحاري. والكامنة سياسيا في غياب ديمقراطية حقيقية تضع سيادة الشعب و أمواله العامة ومصائره بين أيدي مواطنيه جميعا.
لقد فطن بعض المدافعين ،كما قلت،إلى تهميش البيان، فركزوا في كتاباتهم على أفكاره هذه، بل وحاولوا ترجمتها إلى خطوات عملية تشجع القراءة و تقرب الكتاب ،و عقدوا ندوات ناقشوا فيها إمكانيات المجتمع المدني لتدارك الوضع الكارثي للقراءة …و كان فيهم كتاب و إعلاميون و صحفيون و حقوقيون ،و فيهم جمعيات ثقافية في مختلف مناطق المغرب دعتني مشكورة إلى أنشطتها،و أتاحت لي لقاءات حية و مثمرة مع الأطفال ،و مع التلاميذ و الطلبة و الأساتذة و الآباء …كلا ،لم ينجح المهاجمون في تهميش البيان .لقد تبناه شرفاء البلد ﱡ،واصبح بيانهم كلهم ،و هم يفعّلونه الآن بنضالهم الثقافي على كل الجبهات ، ويطورونه على ضوء ما يعترضهم من العراقيل و العقبات .
◘البعض ربط رفضك للجائزة برفض صنع الله إبراهيم، بل اكثر من هذا أشار إلى انه استنساخ لموقفه، والبعض قال إن الرفض رفض عدمي، وغير هذا قيل ..ألا ترى في الأمر استهانة بالمثقف المغربي ،بل طعنا من الداخل في المشهد الثقافي المغربي الحي؟
● لقد سبق لي أن أجبت عن هذا السؤال من قبل،وأوضحت الفرق بين موقفي وموقف الأستاذ صنع الله إبراهيم. أريد الآن أن انظر إلى الأمر من زاوية أخرى إذا سمحتم لي׃ لنفرض أن موقفي استنساخ لموقف صنع الله إبراهيم،فماذا يضير في هذا الاستنساخ؟
انهم يستنسخون مواقف الموافقة الباصمة كل يوم، وبالعشرات،ويتهافتون على أموال النفط مثلما يتهافت عليها كثير من المثقفين المصريين،ويدافعون ويدافعون عن برامج وقرارات الحكومة بنفس الأساليب التي يدافع بها مثقفون مشارقه عن حكوماتهم، فلماذا لا تكون مواقفهم الموافقة استنساخا، ويكون موقفي المعارض
المزيد