البئر و الحكاية

فبراير 5th, 2008 كتبها رؤى ثقافية نشر في , القصة القصيرة

البئر و الحكاية!

عبد الوهام سمكان

 

يحكى أن القصة وقعت منذ آلاف السنين في البقاع الطاعنة في الجهل و الظلمات، غير أن الجمل المقتضبة التي ما تزال تصوغ حكيها في أحيان كثيرة، واللجوء إلى الصمت والهروب عند كل جرأة على حكيها علانية، والغموض الذي يلف شخصية الراعي ( النبيل والبريء)1 وتعدد الصور حول حياته وموته (هل مات حقا ؟)، كلها تؤكد أن الحكاية تحدث الآن، أوأنها تحدث كل لحظة، أو لربما هي تحدث دون انقطاع!

  بين دوالي العنب الأبيض الممتدة على طول النظر، وقف الراعي بهيئته الوقورة رغم أسماله التي تظهر ملامح فقره الشديد و تيهانه الطويل. صار يحدق في الشمس وهي تغيب. لم يثره شحوبها الخريفي ولا الجبال التي تتوضأ لحظتها بآخر الأشعة قبل ان تتلحف بالظلام. كان يفكر أساسا في عواء الذئاب الذي سيملأ البرية باشتعاله المرعب بعد قليل، وفي الصبية وهم يرتجفون خوفا وبردا تحت أغطيتهم المرقعة، والنساء وهن يرتعشن تحت أجساد رجالهن مبتهجات وخائفات في نفس الآن، ثم انحرف به تفكيره اليائس إلى حالته فأسر متنهدا:

-         يارب، لماذا خلقتني هكذا؟ ليتني صبي مرتعش او امرأة تائهة بين اللذة و الخوف، أو حتى ذئب يشق هذا الهدوء بعوائه!

  ثم سمع أول عواء ذئب فارتعدت فرائصه! كانت الشمس قد غابت نهائيا، والحشرات الليلية أيقظت أصواتها السوداء، وثمة وقع أقدام فِتْيَةٍ تهرول مسرعة بين دروب القرية الضيقة، وكأنها تهرب من موتها او إليه! مد يده إلى أقرب عنقود عنب فأحس الرطوبة حين اندلق الماء البارد لإحدى الحبيبات في باطن كفه. سحب يده ولحس الرطوبة المندلقة، ثم عاد ومد يده من جديد، قطف العنقود و قرفص على الأرض واضعا عكازه بجانبه، وبدأ تناول الحبيبات شاعرا بأول غبطة السكر.

  في الجانب الآخر من القرية، حيث البيت الكبير، جلس الشيوخ والرجال يستمعون برعب إلى رئيس جنود الحاكم، وعلى مبعدة قليلا منهم تكوم الفتية والرعاة في ملابسهم الخشنة، مطلقين العنان لأسماعهم. أبلغ رئيسُ العسكرِ الجموعَ سلامَ وليِّ نعمتِهِ و نعمتهم و ثقته فيهم! ثم بعد العشاء الباذخ حدثهم عن الراعي الهارب، الشاق عصا الطاعة، الكافر بحكمة الرب، الداعي للخراب و الفتنة. وفي النهاية أخبرهم أن نهايته أوشكت، فهو على أي حال لن يستطيع تجاوز قمم الجبال في هذا الوقت من السنة حيث الثلوج على الأبواب،  ومن حسن حظ قريتكم السعيدة أن يحدث هذا بها!

  بقي الرجال صامتين ومترددين! تذكروا الراعي (النبيل)، فأغلبهم يعرفونه، كلهم كانوا رعاة عندما كانوا فتية. بعضهم التقاه في الصحاري يسوق نعاجه ويحمل في يده كتابا ضخما لا يمل من قراءته، وبعضهم التقاه عند أسفل الهضاب أو السهول يغسل الخراف الصغيرة بالماء ويداوي المرضى بأعشاب الحياة، ويمد الأمل للمقهورين والعجزة! وحتى من لم يلتقه حكى له رعاة آخرون عنه.

  تذكروه فتذكروا أحلامهم المعلقة! تذكروا نساءهم المتعبات و أطفالهم الخائفين. ماذا سيقولون لهم حين يعودون الليلة؟ هل يخبروهم بالحق

المزيد


قصة قصيرة جديدة

سبتمبر 16th, 2007 كتبها رؤى ثقافية نشر في , القصة القصيرة

الأعمى في العتمة

 

عبدالوهام سمكان

 

 

   كنت مستلقيا على السرير الوحيد في غرفتي السطحية. النافذة كانت مغلقة، فالفصل خريف طاحن، والضوء كان مطفأ. كنت أعرف أنني لن أنام بسهولة، فأعصابي متوترة وقلبي يتألم. لهذا حاولت الإستلقاء على السرير والتأمل في العتمة دون التركيزعلى شيء أو فكرة بعينها، وذلك بغية الحصول على سلام داخلي يقلني دون توتر إلى عالم نوم أرغبه هانئا، وسط خليط من المشاعر المتضاربة. وهكذا فجأة حدث ماحدث: زارني الأعمى!

  كنت مستلقيا، مسترخيا، أحاول أن أترك لي حرية التنقل بين الأزمنة و الأمكنة والصور والذكريات البعيدة، باعتبارها متاهات ساحرة، غير أن فشلي الذريع قبل لحظات، قبل أن أطفئ الضوء و أستلقي، قص من فرصة سلامي الداخلي المنشود. قبل منتصف  الليل ببضع دقائق كنت أنهيت قراءة آخر حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة. وقد ترك ذلك في داخلي إحباطا مؤذيا ومضاعفا، يضاهي إحباطي من كوني صاحب طاولة لشواء النقائق، مطارد وغير مرغوب فيه. لم أعرف كيف حدث ولم أجد في كتاب الليالي حكاية " بائع الذرة المقلية مع العبد مسعود و خليفته الطاغية ". إنها حكاية مؤثرة وجميلة، كنت قد قرأتها قبل ما يقارب عشر سنوات، عند قراءتي الأولى في طبعة رديئة لكتاب الحكايات، ولم أعرف كيف استيقظ في الحنين خلال الأيام الاخيرة إلى تفاصيل تلك الحكاية، وسكنتني إلى درجة بدأت أتخيلها ذكرى من ذكرياتي الحميمة، مما دفعني إلى البحث عنها مجددا وسط بحر من الحكايات لا ينتهي.

   بدأت بحثي أولا في فهرس كل جزء على حدة، غير أني لم أعثر على حكايتي ، فاستكنت إلى فكرة مفادها ان ذاكرتي حقا صارت مثقوبة. لقد آمنت في توتر مفرط أن الحكاية موجودة ولكنها بلاشك تحمل عنوان آخر. كنت أعرف أن المضي في هذا الإتجاه ليس سوى حمال يأس، لذلك قررت الحد من توتري والبحث مجددا. وضعت الأجزاء الأربعة قرب السرير، وتوهما مني لتوفير بعض الوقت، بدأت أفتح الأجزاء حيثما أتفق وأقرأ جزءا من الحكاية المفتوحة وانا اقر أنني حين سألمس فيها مؤشرا ولو ضئيلا إلى حكاية بائع الذرة، أعود وأقرأ الحكاية من أولها. غير اني وجدتني اسقط في فخ حكايات جاذبة، وصارت كل حكاية ترميني إلى أخرى دون أن أعثر على حكايتي، وببساطة تَقَبٌّلٍ ادركت أن المضي في هذا الإتجاه هو متاهة المتاهات، فكم من حكاية وجدتها الكاذبة وكنت المخدوع. وهكذا قلت أن لابد مما ليس منه بد، وأعدت قراءة كتاب الليالي.

  في الدرك الأسفل من الهزيمة، وجدتني أغوص في ظلمات من التمني والتوهم والتعجب والإستفهام، بعد ان انهيت كتاب الحكايات دون ان اعثر على حكايتي. كنت متأكدا اني قرات الحكاية من قبل، كتاكدي من أنها ما ينقصني في تلك اللحظة!

كنت مستلقيا. الصراع في أوج غباره بين فكرة الإسترخاء و الـتأمل وبين حقيقة الهزيمة المنغصة. وكانت الغرفة شديدة الظلمة لا يكسرها سوى خيط نور يتسرب خفيفا من فتحة بين ردفة الباب وإطاره. وفجاة من تلك الفتحة تسرب هو .

كنت مستلقيا على ظهري، واضعا مؤخرة راسي على الجدار المقابل للباب، وكان الجزء الاخير من الف ليلة وليلة قرب السرير على أرض الغرفة العارية والباردة، وكنت أضع يدي اليسرى عليه، حين لمحت في لحظة طعن لإغفاءة محتملة ضوء الفتحة يغيب لثانية، وظلا ما كانه شبح يتسرب كخيط دخان ويتضخم فجأة إلى درجة اني رأيت منخطفا بعد لحظة سقوط الضوء المتسرب على جانبه الأيمن ذو العكاز، و تخيلت تحركه المتثاقل إلى الجهة الأخرى من الغرفة، حيث يوجد مكتب صغير مصنوع من تكوم جرائد قديمة بانتظام فوق بعضها البعض ومغلف بقطعة بلاستيك مزوقة، وقربه توجد مكتبتي الصغيرة التي صنعتها بنفسي من أخشاب مهترئة. كانت العتمة في أشدها حين سمعت صوتا هو نفسه الصوت الذي تصدره قوائم الكرسي الحديدية عند احتكاكها بزليج الغرفة. أحسست برعدة وفكرت برمي البطانية عني والوثوب لإشعال الضوء، بينما أتمتم بإيمان مباغث: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ومع إتمامها دوت في الغرفة ضحكة مجلجلة ألزمتني فراشي قبل أن ياتيني صوته رخاميا:

-         مابك؟ … أتخاف الأشباح؟ كانت الكلمات كأنها ملفقة! ثم سمعت ضحكة أخف من الأولى، ورغم هلعي شممت فيها رائحة معرفة بعيدة!

-         …….

-         مابك صامت؟ غادر خوفك … فانا على اية حال لست كلبا من كلاب سوقك. ! ثم نفس الضحكة الصغرى التي لمست ألفتها هذه المرة اكثر..

-         من أنت؟

-         …. !؟ أتريد أن توهمني أنك لم تعرفني؟ لابأس… أقول لك من أنا… أنا الأعتم. قهقه قليلا واردف: ألست أنت من يسمني الأعتم؟.

-         من أنت؟

-         ويحك! أنا بورخيس… خورخي لويس بورخيس.

مررت أصابعي على عيني محاولا أن أميز حقيقة أني لست نائما؟ مان الهلع قد غادرني رويدا، وكلاب السوق تراجعت عن مخيلتي، فقررت أن أحسم الأمر، وللتو فكرت بإشعال الضوء قبل أن توقفني كلماته:

-         أعلم أنك الآن تفكر في أن تراني كفاية… تريد أن تحسم أمرك. لكن إعلم ان فكرة الضوء لن تجعلك تراني أبدا.

-         إذن أنت لست بورخيس. قلت شبه مغتبط.

نظر إلي بإمعان وهو يسحب نفسا عميقا من سيجاره الكوبي الثمين، ولم أكن أعرف قبل تلك اللحظة أن بورخيس يدخن، مما سيقوي شكي في كلامه، وكنت خصوصا أستغرب تدخينه لسيجار كوبي باهظ الثمن، هكذا كنت أفكر، غير أن انعكاس الضوء المنبعث من السيجار على ملامح وجهه أسقطني في الحيرة. لقد كان فعلا هو بجبهته المتغضنة، وشعره الرمادي، ولونه المائل إلى الحمرة، وأنفه الفقري، وجفني عينيه البحيريتين، والفراغ الكبير الممتد بين فتحتي أنفه وشفته العليا دون شارب، وذقنه المتساقط. تبا، إنه هو فعلا! كما رأيته سابقا في الصور، ومثلما كنت أتخيله! أحسستني اتمرغ في حيرتي قبل ان ينتشلني مجددا:

- أتعلم أنك في شكك تذكرني بآخري؟ بخورخي لويس بورخيس حين التقيته ذلك الصباح من سنة 1969 في مدينة كمبردج، حين كنت أستريح على مقعد أمام نهر شارل… طبعا أنت تذكر هذه القصة، لأنها في نظرك أردأ قصة قرأتها، رغم أنها في أعماق لا شعورك سحرتك عميقا!

أجبته متباهيا:

- إعلم جيدا انه لم تعجبني أي من قصصك! فبالأحرى ان تسحرني تلك القصة الرديئة! أنت شخص نرجسي حتى بعد موتك، وحتى عندما تأتي ضيفا متوهما! ولعل الأرجنتيين حقيقون بموقفهم منك ومن إبداعاتك المستغلقة عليك في برجك الوهمي. أما بالنسبة لي فما سحرني في العمق، فليس قصصك وإنما طرائق تناولاتك وتقنياتك.

لم أعرف كيف واتتني الكلمات في ردي الأخير، وأحسست ببعض الندم، فسواء أكان الجالس في غرفتي شبحا وهما أم بورخيس ذاته، ماكان علي أن أكون صريحا، جارحا، وعدوانيا حتى تلك الدرجة. لقد كان بالإمكان ان تكون ردة فعله صارمة، ولعل أبسطها ان يغادرني. وأنا في تلك اللحظة كنت

المزيد


قصة جديدة للكاتب المغربي ع الإله غاوش

ديسمبر 10th, 2006 كتبها رؤى ثقافية نشر في , القصة القصيرة

 

الحصان

 عبد الإله غاوش*

 

للوهلة الأولى لم ينتبه يوسف لسقوط الحصان ،كان بإمكانه، من موقعه داخل المقهى ،  رؤية المشهد من بدايته ، لكنه لم يفعل ؛ "مولاي أحمد"  ،النادل ،هو الذي نبهه لما جرى . حين رفع  رأسه عن الجريدة ووجه بصره إلى المكان الذي تشير إليه أصبع الجرسون ، حوالي خمسين مترا بعيدا عن مدخل المقهى ، وسط شارع الشهداء، رأى الحصان ممددا على جنبه فوق الإسفلت، أرجله تتحرك في جميع الإتجاهات . بدا  ، ليوسف ،مثل صرصار عملاق انقلب على ظهره ولم يعد بوسعه إلا تحريك أرجله في الفراغ . كانت عنقه ملوية إلى الخلف ـ اللجام الذي  انحشر تحت الجرم الثقيل يجذبها بعنف ـ اتسعت عيناه و فغر شدقيه و أخذت خيوط الزبد تتدلى منهما؛ فطن "كمايو" ، سائق العربة ، لما حصل فأخذ يجدب اللجام بكل ماأوتي من قوة ، محاولا سحبه من تحت جسد الدابة الثقيل دون  جدوى. ضحك "مولاي احمد" وكذلك فعل يوسف، قامة "كمايو" الضئيلة و جسده النحيل  ثم حركاته المتوفزة تبعث على الضحك فعلا، لكن أيضا على الشفقة : كان يتقافز حول الدابة و العربة المقلوبة دون أن يدري ماذا يصنع .                      

"كمايو" صار من معالم شارع " الشهداء". كل صباح يمر أمام مقهى " الشاوية" بعربته المحملة بصناديق الخضار و الفواكه، قادما من " القاعة" و متجها  إلى السوق اليومي الذي يوجد في نهاية الشارع، حيث ينتظره بائعو الخضروات و الفواكه لكي يسلمهم صناديق البضاعة التي كانوا قد اشتروها في الصباح الباكر من سوق الجملة. كان دائما يحلم بجمع مال كثير من عمله فوق "الكارّو" ،  حتى يتمكن من شراء "كمايو"، أي شاحنة، وبذلك يوسع من  مداخيله ويتخلص من الحصان و العربة و الصناديق التي  لا تنتهي !!  لكنه كان يخسر ما يكسب من عرقه وعرق الحصان في لعبة " الخيول". تجده دائما، في الظهيرة،  يلعب الورق أو يملأ قسيمة الحصان المفضل لديه . يضحك دائما ويثرثر بحلمه العلني مع جميع زبائن المقهى، حتى أصبح الناس يعرفون جيدا نوع "الكمايو"  الذي سيأتي في المستقبل ولونه وعدد الأحصنة الموجودة داخل محركه !! ومع مرور الوقت أصبح الناس يسمونه " كمايو" و صار الجميع يعرفه بهذا الإسم،  حتى الأطفال الصغار، و هم في طريقهم إلى المدرسة صباحا، يلاحقون عربته المسرعة نحو السوق و يصرخون:  أووووهوهو"كمايو"…"كمايو"..         

لم يبق "كمايو" لوحده، إذ سرعان ما تحلق حوله الفضوليون من المارة. بعضهم حاول أن يساعده على حمل الحصان و إبعاده عن الطريق العام، والبعض الآخر اكتفى بالمراقبة و التفرج. بعض زبائن المقهى التحقوا بالحلقة التي تحيط الدابة المعطوبة، تاركين خلفهم كؤوس القهوة وبراريد الشاي و الصحف المفتوحة على صفحات الكلمات المتقاطعة أو الحوادث! أخذ "مولاي أحمد " يراقبهم بعينين متوجستين مخافة أن يتسلل أحدهم بعيدا دون أن يدفع الحساب .                      

لكن يوسف بقي  في مكانه، يراقب ما يحدث ناقلا بصره بين مشهد الحصان والصحيفة المفتوحة أمامه ، لكن من حين لآخر يلقي بنظرة خاطفة  نحو الساعة الحائطية المعلقة على الجدار غير بعيد عن شاشة التلفزيون، فنعيمة قالت أنها ستأتي على الساعة التاسعة. لم يلتقيا منذ أكثر من شهر. كان صوتها في الهاتف، باردا و محايدا. لا عهد ليوسف بتلك النبرة الرسمية و المتكلفة . خاصنا نهضرو شي شوية . بغيت ناقش معك شي حوايج . مشغول غدا في الصباح مع التسعود؟ جملها متتالية و فيها تصميم. ترى ماهي تلك الحوايج التي تريد مناقشتها معه؟ تساءل رغم أنه يعرف جيدا ماذا قصدت. لم يكن صوتها جافا، على هذه الشاكلة، فكر يوسف، بل كان دائما هادئا و دافئا. صوت امرأة استيقظت، لتوها، من النوم ! طازج و فيه كسل ما كأنه نداء إيروتيكي خفي. أخذ شريط الذكريات يمر أمام عينيه. الجامعة . النقاشات التي لا تنتهي عن أي شيء و كل شيء. المهرجانات. المظاهرات. الأسفار. القبل الأولى. العناق الأول. الليلة الأولى تحت سقف واحد و في سرير واحد. الرباط. المؤتمر الوطني للحزب.  حفل مرسيل خليفة  الأول ثم الثاني . شلالات أوزود. فاس . الصويرة . خاصة الصويرة . توقف الشريط عند الصويرة..

فرآها تجري نحو البحر..                         

 

كانا وحيدين على الشاطئ. شهر نوفمبر. الساعة السادسة صباحا،

تقريبا. وقت منقوش في ذاكرته . لم تشرق الشمس تماما، لكن ضوءا شفافا مائلا إلى الزرقة، كان يلف الشاطئ و البحر و المدينة النائمة خلف ظهريهما، في غلالته الساحرة.  انطلق يجري، هو أيضا، نحوها. كانا قد غادرا لتوهما غرفة الفندق الصغير، الذي لا يبعد كثيرا عن الشاطئ. في جسميهما ، لازال ، دفء ليلة كاملة من العناق. حين وصل إلى حيث كانت تقف حافية القدمين، الأمو

المزيد


أحمد بوزفور: الباب المسدود

ديسمبر 3rd, 2006 كتبها رؤى ثقافية نشر في , القصة القصيرة, جريدة رؤى / العدد الثاني

الباب المسدود

 

 

أحمد بوزفور

خرجت تجري والساعة في يدها قد غادرت السابعة ببضع دقائق .

كانت قد نسيت مفتاح البيت على طاولة المطبخ .أخذت تعدو في الشارع كي تلحق حافلة الخط السابع و العشرين .

تعدو في الشارع ،والعين تناشد تلك الساعة في يدها أن لا تسبقها كالأم تخاف على ابنتها أخطار الشارع .

تعدو و تعدو وتع…عثرت في إحدى حفر الشارع ،كفّ عن الدوران ،انكسر الطالون ،تمزقت الصاية ،حتى الركبة رُضت.

جلست فوق الحفرة تندب حظ اليوم، ومرت،وهي تلم حوائجها المنثورة ،حافلة الخط السابع والعشرين.شرقت بالدمع وأنّت،ومضت كالبرق بداخلها ذكرى رجل كانت تعشقه وحَرَقْ.

وعادت تعرج نحو البيت على مهل،رسمت في الذهن برامج أخرى لليوم،المصعد لا يعمل ، صعدت نحو الشقة ،سلمة سلمة،حين اكتشفت أن المفتاح….

وقفت تضحك كالمخبولة دون توقف.

تضحك تضحك…وهي تريح الجسد المهدود على باب البيت المسدود.

-2-

  في تلك اللحظة كان الكوكب نمسيس.

يُفلت من ) لا يدري أحد كيف(مداره.

المزيد


رسالة الفاضل

ديسمبر 3rd, 2006 كتبها رؤى ثقافية نشر في , القصة القصيرة

      رسالة الفاضل

 عبدالوهام سمكان

 

                إلى الكاتب المغربي الراحل: سعيد الفاضلي.

 

"كل شيء يصير جسدا في هذه اللحظة، والباقي صمتا"

     باولو كويلهو 

      

   كان يقف في شرفة غرفته بالأوطيل، يحدق في الشارع الطويل المليء بالضوضاء والأضواء المزيفـة، ولا يدري كيف تحمله سرحاته الى غابات ندم وألم مجهولين. حاول أن يتذكر أصدقاءه البعيدين، أن يقبض عليهم في ذاكرته المراوغة، ثم يسحبهم واحدا واحدا الى شرفته لعلهم يطفئون هذه الغربة الوقحـة التي تتلبسـه. غير أنهم كانوا يتملصـون جملـة ويتركونه وحيــدا، واقفا في شرفـة، يحدق في الضوضـــاء والأضواء المزيفة.

  - الذكريات الملعونة مثل سحابة صيف، لا تسقي ضوءا. يعرف ولا يقر!   

  كان يفكر كيف لم تجد خطواته الطريق في ذلك البريق ولا في هذا الشارع المليء بالضوضاء والأضواء المزيفة والبغايا والقوادين؟

  كان يتحسس الهاوية بأنامل أفكاره ويعود مخبولا. يرتمي على السرير الأوحد في الغرفة. يحاول أن يلبس كتابا لهمنجواي ، أو سرا مالحا في قصيدة" أبدا لن أساعد الزلزال"، غير أنه يسقط في المتاهة.

 - ياللسخرية. يصرخ دون أن يفتح فمه.

  تشده بنات أفكاره. تحمله. تخرج به من مدينة الضوضـاء. تركبه حافلة نقل رديئة تطعن اسمنتا سـاخنـا ولا تترك أثرا. يرى كل شيء يسير الى الوراء: البنايات الشــاهقة، أسواق الليل والنهار، عشـاق وأشبــاه عشاق، كاريانات تحترق، وأخرى لم  تحترق بعد، أطفال يمنحون أعمارهم في سبيل غد مجهول ومشبوه، جوامع ومآذن صارت غريبة. كنائس تحاول أن تقرع أجراسها في كل الأرض، بحر متعفن يلقي بزبده الى الرمال والصخور  ووجه صبية تائهة/ منحورة. دخان متصاعد من مزابل المدينة. يرى كل هذا وقد سار الى الوراء، ليتألق أمام عينيه مشهد خلاء رحب يتكرر، والحافلة ماتزال تطعن المسافات الإسمنتية التي ازداد مستقيمها ضيقا. يحتبس الأرق في عينيه فيرى أيضا أبقارا تسير الى الوراء، وأغناما، أشجارا ضخمة وأخرى صغيرة، رعاة بجلابيب يحملون نايات تشبه الكتب، بيوتا واطئة وأخرى متواطئة، نساء شبه محروقات في الحقول، حد السوالم أو خميس نكة، رجلا أشعت بخرق بالية يسابق السيارات ويضحك ،يضحك ويبكي جنازة لامرأة. خلاء رحبااااا . ثم تتوقف الحافلة.

  ينزل الدرجتين ويرى امرأة تطيل النظر إليه من زجاج الحافلة التي ستخلفه وراءها بعد لحظة " على كل هي رغبتي" يهمس مندهشا ويبتسم بكبرياء وفجيعة. يطوي بقدميه الصغيرتين( فهما على أي حال لا تشبهان عجلات الحافلة) طريقا ترابيا منعرجا بين الحقول المحصودة مؤخرا، وهو يطلق صفيرا يشبه ألبوم ذكريات مهجورة.

  يطرق بابا قصير

المزيد


ليل طويل

ديسمبر 3rd, 2006 كتبها رؤى ثقافية نشر في , القصة القصيرة

ليل طويل

عبدالوهام سمكان

- هضروا بشوية

قالت الأم وهي تجر باب الغرفة خلفها .لم أكن قد نمت،أو كنت بين الصحو والنوم، كنت في الطريق الى عالم الأحلام، حين سمعت أولا طرقا قويا على الباب،ثم بابا الغرفتين الأخريين وهما يفتحان، ووقع خطوات في المراح، ثم صوت أخي الأكبر:

-شكون؟

- حل…حل..أنا أبوك

صوت الزكروم يقشعر له جلدي، يفتح الباب، ضجيج من الأصوات. ياك لاباس. آش وقع؟. سدوا الباب. أدخلوا القبة، الدراري ناعسون. ثم جاءني صوت أبي واضحا:

- الطاهر…الطاهر ولد ابراهيم دارها..هاز جنوية، ويشلخ في الطلبة.

طار عني النوم، أحسست بالرعب والشلل، جررت الكاشة وغطيت رأسي، تنيت رجلي عند الركبتين، وخفت، خفت.  صرت أرى الطاهر في رأسي، الطاهر بقده وكتفيه العريضين داخل رأسي. الطاهر والجنوية في يده، يشلخ الطلبة، ويضحك، يضحك. الطاهر في السوق ببلوزته البيضاء، يقف خلف الطاولة، يحمل الجنوية، ويقطع الكرشة واللحم، ينزل بالمقدة على العظم، آهاك الشريف، هاهي كريشة بيضا، غير علف الزرع، آش خاصك آلالا، خذي من هاذ الطريف، الكتيف، اللي تلف ياخذ من الكتف. باب الغرفة ينفتح ، وقع خطوات بطيئة، الرعدة، أخي الأصغر في الجهة الأخرى للغرفة، يشخر، أم أتوهم؟

- هضروا بشوية.

تقول الأم مجددا وهي تجر باب الغرفة خلفها، وتبتعد. لايهضرون بشوية، تصلني أصواتهم من القبة عالية، ووقع خطوات في المراح، أخاف، أحس بالعطش والشلل. سأنهض. لا. سأنهض. لا. يعود الطاهر، هذه المرة، يجلس على الكرسي الخشبي في الصبيطار، صبيط

المزيد


النبي

ديسمبر 3rd, 2006 كتبها رؤى ثقافية نشر في , القصة القصيرة

النبي

عبدالوهام سمكان  


 

 هل أنا طفل في الخامس ابتدائي؟ هذا ماسأقوله عندما سأكبر. بلاشك. بلاشك سأقول هذا، بلاشك أيضا، هل أنا طفل في الخامس ابتدائي؟

عندما كنت أصغر وبّخني أبي أولا، ثم فيما بعد أعطاني علقة لن أنسها أبدا. مالك أحمق؟ قال لي أولا. لاتقل هذا لأحد، الأنبياء يختارهم الله.

-أنا أيضا اختارني الله.

-أسكت…قلت لك لاتقل هذا مرة أخرى. وأحكم أصبعيه على أذني بليونة موبّخة. ثم ان محمد " ص" خاتم الأنبياء، سيقول عنك الناس كافر، هيا لاتقل هذا مرة أخرى. ومرة أخرى سأقولها، أخي سيوقعني في الفخ، سيضع قصبة  بين رجليه، ويحمل أخرى في يده اليمنى، سيجري من باب البيت حتى شجرة الكاليبتوس الشائخة قرب النطفية، حيث كان أبي يجلس على حجر في ظل الشجرة، وأمي قربه واقفة تغزل، حين يصلنا سيطلق صوته مدويا: طااااق، ثم ينظر الينا ويبتسم، تضحك امي وهي تغزل، أبي لايضحك، يضحك قليلا، فيضحك أخي الأصغر كثيرا ويقول:

-سأصبح مثل السي عباس، سأسبقهم جميعا في التبوريدة وأطرطق البارود.

تضحك أمي مجددا وهي تستمرّ في الغزل واقفة، يضحك أبي أيضا، يضحك كثيرا هذه المرة وينظر الي، يحتقن وجه أخي قليلا:

-أبّا… أنا عندما سأكبر سأكون مثل السي عباس، وهو سيعمِّر لي البارود.

تضحك أمي وهي تغزل، ويضحك أبي.

-لا..لن أعمِّر لك البارود، أنا عندما أكبر  سأكون نبيّا

تضحك أمي قليلا. يتوقف ضحكها وغزلها حين يحكم أبي قبضته على رقبتي. أخي يفرّ بعيدا.

- ماذا قلت لك؟

يأخذني الى داخل الدار، أمي خلفنا تتعثر في ملابسها، يحلف ان اقتربت ليهرسنّ وجهها، ثم يربطني باحكام عند العتبة، يربطني ممدّدا على الأرض. يعزل القنّب عن سطل الماء، ثم يضعه في الماء حتى يبتل جيدا، ويضربني في أسفل قدمي، وفي كل مكان. يضرب ، يضرب، يحملني صح مايمكن، وأنا أبكي وأبكي حتى أغيب، ولاأقول بعدها سأكون نبيا حتى أبلغ الخامس ابتدائي، حين تسكنني نعيمة، المعلمة الجديدة ، المعلمة القادمة من الشمال بسروال الدجين الضيق، والذراعين العاريين، والنهدين الطائشين، تسكنني حينها كجنية محبوبة، تعيد الي أحلام نبوّتي. أكون تحت الكرمة، تسقط علي حبات التين طازجة، ولا أمدّ لها يدي. أكون بين الحضور والغياب، بين فرح سحري وألم قاطع. يحدث هذا وقت الغروب، ولاأدري كيف يحدث. ثم تأتي نعيمة، تضع على جسمها قطعة ثوب شفاف، محسورة عند الركبتين، ويشدها خيطان رقيقان الى كتفيها، عنقها أبيض حليبي كنور الهي. تتقدم نحوي دون أن تمشي، كأنها تطير، تمرّر أصابعها السحرية على وجهي، ثم رعشة أشبه برعشة الموت أو الولادة، و أرفع عن هذا العالم. أمدّ أصابعي الى عنقها الطويل، وأتلذّد الحلاوة في لساني. ترى ما العلاقة بين الأصابع واللسان؟ لاأدري. أسألها محموما ملتذّا غير خائف:

-من أنت؟

-أنا خد

المزيد





كل الحقوق غيرمحفوظة للناشر ولذلك يمكنكم إعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها

-لاحول ولا قوة في بلد مثل بلداننا العربية-