البئر و الحكاية!
عبد الوهام سمكان

يحكى أن القصة وقعت منذ آلاف السنين في البقاع الطاعنة في الجهل و الظلمات، غير أن الجمل المقتضبة التي ما تزال تصوغ حكيها في أحيان كثيرة، واللجوء إلى الصمت والهروب عند كل جرأة على حكيها علانية، والغموض الذي يلف شخصية الراعي ( النبيل والبريء)1 وتعدد الصور حول حياته وموته (هل مات حقا ؟)، كلها تؤكد أن الحكاية تحدث الآن، أوأنها تحدث كل لحظة، أو لربما هي تحدث دون انقطاع!
بين دوالي العنب الأبيض الممتدة على طول النظر، وقف الراعي بهيئته الوقورة رغم أسماله التي تظهر ملامح فقره الشديد و تيهانه الطويل. صار يحدق في الشمس وهي تغيب. لم يثره شحوبها الخريفي ولا الجبال التي تتوضأ لحظتها بآخر الأشعة قبل ان تتلحف بالظلام. كان يفكر أساسا في عواء الذئاب الذي سيملأ البرية باشتعاله المرعب بعد قليل، وفي الصبية وهم يرتجفون خوفا وبردا تحت أغطيتهم المرقعة، والنساء وهن يرتعشن تحت أجساد رجالهن مبتهجات وخائفات في نفس الآن، ثم انحرف به تفكيره اليائس إلى حالته فأسر متنهدا:
- يارب، لماذا خلقتني هكذا؟ ليتني صبي مرتعش او امرأة تائهة بين اللذة و الخوف، أو حتى ذئب يشق هذا الهدوء بعوائه!
ثم سمع أول عواء ذئب فارتعدت فرائصه! كانت الشمس قد غابت نهائيا، والحشرات الليلية أيقظت أصواتها السوداء، وثمة وقع أقدام فِتْيَةٍ تهرول مسرعة بين دروب القرية الضيقة، وكأنها تهرب من موتها او إليه! مد يده إلى أقرب عنقود عنب فأحس الرطوبة حين اندلق الماء البارد لإحدى الحبيبات في باطن كفه. سحب يده ولحس الرطوبة المندلقة، ثم عاد ومد يده من جديد، قطف العنقود و قرفص على الأرض واضعا عكازه بجانبه، وبدأ تناول الحبيبات شاعرا بأول غبطة السكر.
في الجانب الآخر من القرية، حيث البيت الكبير، جلس الشيوخ والرجال يستمعون برعب إلى رئيس جنود الحاكم، وعلى مبعدة قليلا منهم تكوم الفتية والرعاة في ملابسهم الخشنة، مطلقين العنان لأسماعهم. أبلغ رئيسُ العسكرِ الجموعَ سلامَ وليِّ نعمتِهِ و نعمتهم و ثقته فيهم! ثم بعد العشاء الباذخ حدثهم عن الراعي الهارب، الشاق عصا الطاعة، الكافر بحكمة الرب، الداعي للخراب و الفتنة. وفي النهاية أخبرهم أن نهايته أوشكت، فهو على أي حال لن يستطيع تجاوز قمم الجبال في هذا الوقت من السنة حيث الثلوج على الأبواب، ومن حسن حظ قريتكم السعيدة أن يحدث هذا بها!
بقي الرجال صامتين ومترددين! تذكروا الراعي (النبيل)، فأغلبهم يعرفونه، كلهم كانوا رعاة عندما كانوا فتية. بعضهم التقاه في الصحاري يسوق نعاجه ويحمل في يده كتابا ضخما لا يمل من قراءته، وبعضهم التقاه عند أسفل الهضاب أو السهول يغسل الخراف الصغيرة بالماء ويداوي المرضى بأعشاب الحياة، ويمد الأمل للمقهورين والعجزة! وحتى من لم يلتقه حكى له رعاة آخرون عنه.
تذكروه فتذكروا أحلامهم المعلقة! تذكروا نساءهم المتعبات و أطفالهم الخائفين. ماذا سيقولون لهم حين يعودون الليلة؟ هل يخبروهم بالحقيقة: رأس الراعي مطلوب، والسلطان لن يغمض له جفن قبل حدوث ذلك؟ أم يصمتون كعاداتهم في مثل هذه الحالات؟ أحنوا رؤوسهم وبدوا متعبين أكثر من أي وقت مضى. ثم تخيلوا دوالي العنب!
- ماذا؟
قالوا في نفوسهم فجأة ورفعوا أعينهم جملة في وجه رئيس العسكر! رأوا خبثا قديما وتصميما لا يرد، ثم أحنوا رؤوسهم من جديد، داعين أن يحفظ الرب الراعي!
- يا لمكافأة من يفعل!
كانت هذه آخر جملة أعلنها رئيس الجنود وهو يودعهم واحدا واحدا عند الباب.
في تلك الليلة أطفئت الشموع بسرعة في البيوت بعد عودة المجتمعين. النساء ولين ظهورهن للرجال، والرعب عشعش أكثر في نفوس الصبية تحت أغطيتهم. غير أن لا أحد نام!
لا أحد نام تلك الليلة سوى الراعي بين دوالي العنب. أغمض عينيه و استسلم متذكرا سيرة هذه القرية النبيلة، ومتذكرا زياراته السابقة لها حين كان ما يزال راعيا بالفعل. تذكر النساء والشيوخ و الأطفال والرجال الذين عالجهم. " لا أحد يمكنه ان يتحول إلى نذل هنا "، قال و أحس بالأمان مجددا، وزادته نشوة السكر أمانا.
لولا أصوات الحشرات الليلية وعواء الذئاب الذي زادت حدته دون انقطاع، لما ظن أحد أنه ثمة حياة في هذه القرية عند سفح الجبل، هذه الليلة! حتى الأغنام والأبقار والحمير انقطعت أنفاسها. وفي لحظة ما صمتت حتى الذئاب و الحشرات. انقبضت قلوب الرجال في الأسرة وتململت النساء مستديرات و انكمش الأطفال أكثر تحت الأغطية! حينها فقط شقت صرخة عميقة سواد الليل الثقيل، لم تكن ( هذا ما أدركه الجميع لحظتها ) نابعة من حيوان أو حشرة، كانت صرخة بشرية عظيمة، فيها من الإحساس بالخذلان أكثر من الإحساس بالألم.
هرول الصبية في الظلام إلى أحضان النساء المفزوعات، وأشعل الرجال الشموع و قلوبهم محتقنة بالألم، وأطل الرعاة على أغنامهم مستنفرين. ثم عاد الصمت الثقيل للحظات قبل أن تطلق الذئاب عواءها بحدة أكبر و يسمع الجميع وقع خطواتها قريبا و كأنه يحدث في داخل كل واحد ( سيحكي الجميع عن هذا سنوات بعد ذلك بألم وفخر). لم ينم أحد إلى أن سمعوا صوت المنادي عند الفجر وهو يدعو الجميع للخروج إلى الساحة من أجل توديع رئيس الجند!.
تدافعت المناكب في الدروب والطرقات الضيقة حتى الساحة عند مدخل القرية، وهناك وجدوا رئيس الجند وحاميته وقد أشعلوا نارا عظيمة و وقفوا غير بعيد يتدفؤون.
- باسم حاكم البلاد المطهر، حامي الملة و الأرض و البشر، نشكركم جميعا يا أهل قرية الجبل... وأعدكم أن مولانا السلطان بجلال قدره و عزة ملكه سيكافئكم على جميل صنيعكم!
قال رئيس الجند كلماته بتفخيم ظاهر، ثم تقدم باتجاه النار العظيمة ورفع رمحه إلى الأعلى، فأبصر الجميع رأس الراعي ( النبيل)، كان هو فعلا، عيناه ما تزالان مفتوحتين وعلى ملامحه ترتسم علامات لا تنطفئ من الإحساس بالخذلان.
مع أشعة الشمس الأولى عاد أهل القرية إلى بيوتهم يجرون الخطى بتثاقل. كانوا جميعهم مندهشين وهم يحملقون في بعضهم، وفي دواخلهم سؤال واحد لم يتجرأ أحد على طرحه:
- من قتل الراعي؟
حين أنهى الراوي الحكاية تحرك من مكانه في صدر الحلقة، وشرع يجمع ما ستجود عليه البقية القليلة المتحلقة حوله من دراهم وهو يقرأ في ملامحهم صدى السؤال يعود إليه!
عد الدراهم الهزيلة و أشعل سيجارة، نظر حوله فرأى الجميع تفرقوا عنه و انخرطوا متدافعين في الحلقات الأخرى، حيث تدغدغ أسماعهم ألحان آلات موسيقية راقصة، و أبصارهم مشدودة إلى أجساد رجال تلوي مؤخراتها بإغراء في قفاطين نسائية أو إلى أفاعي الحواة أو إلى صومعة أولاد احماد وموسى أو إلى الشاشة الكبيرة الموضوعة في مدخل الساحة وهي تنقل إليهم آخر تخريجات العالم الشاسع المصورة.
جمع الراوي أغراضه القليلة وانسل بين جموع الناس المتدفقة تزكم أنفه روائح الأكل المختلفة وروائح الأجساد القادمة من كل بقاع العالم! توقف عند النصب الجديد الذي يؤرخ إلى تحول الساحة إلى ساحة عالمية، مرر يده عليه وتنهد. لا أحد يمكنه أن يتخيل ما أصاب قلبه حينها! أحس نفسه منبوذا و مخذولا!.
مضى ملتويا بين أزقة المدينة القديمة وهو يتمتم شبه مصاب بالحمى:
- يارب لماذا خلقتني هكذا؟
مضى إلى أن وجد نفسه خارج السور في الخلاء الرحب بين أشجار النخيل المستكينة لليلها القديم، وهناك أطلق صرخة عظيمة تشبه صرخة راع قبل آلاف السنين.
هل سمعها أحد؟!
كتبها رؤى ثقافية في 12:26 مساءً ::
قصة جميلة ;و ذات معان رائعة
قرأتها بإستمتاع ومتأكد من انها دات ابعاد اعمق مما فهمته
دمت جميلا يا عبدالوهام
ودمت المثقف الدي نفخر به
تقبل تحياتي
عزيزي المبدع عبد الوهام تحياتي
سعيدة بعودتك ...طبعا الإبداع أقوى تعبير يمكن له تحقيق جزء بسيط لمعادلة الألم والحزن ضد جبروت الزمن العفن.....أستمتعت بهذا الإبداع ..الحزن لم يكن غريبا والبطل إبن حارتنا لكنها الساحة قد تتحول لحيوان كاسر لا يعنيها معاناة هؤلاء الراقصين على وتر الألم ..كنا دائما نطرب لأغنية الراوي نشاركه الألم والحزن والخبز اليابس ..لكن الساحة اختلفت ...تحولت لمجرد سيرك يحول السارد لبلياتشو ..تراقبه العيون حتى تقتل وقت فراغها..ثم يحمل حزنه أحلامه وأعباءه متأملا الخير في قصة قادمة...........وفقت بالتقاط هذا الحزن ..دام قلمك أيها الرائع,
مع المحبة
فين مشات شرفات يا ابو شرفات ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
ندعوكم الى الانضمام الى تجمع شعراء المغرب
أول تجمع أدبي للمبدعين المغاربة
المرجو الضغط على الوصلة للراغبين في التسجيل في التجمع
http://marocpoetes.roomforum.com/profile.forum?mode=register
في انتظار أن تلبوا دعوتنا تقبلوا فائق عبارات الود
ملاحظة
لم نقم بعد بانتخاب أعضاء مجلس الادارة ونهيب
بالمبدعين ومن يجد في نفسه
القدرة على الاشراف أن يتقدم بطلبه
على هذا الايميل
عاطف عبد الفتاح
abotamam@live.fr
مشروع القانون الأساسي والأهداف
من طرف Admin أمس في 20:37
يسعى تجمع شعراء المغرب ، مستنداً إلى نظامه التأسيسي الداخلي ، ومستفيداً من التواصل الإيجابي والمستمر بين أعضائه ، ومتخذاً من مبدأ احترام الرأي والرأي الآخر سبيلاً ، إلى إنشاء تجمع كبير يضم عددا من الشعراء المغاربة والعرب ، المقيمين في المغرب أو في الوطن العربي أو في المهجر ، من أجل تحقيق الأهداف التالية :
1. العمل على خلق فضاءات شعرية جديدة ، وتأسيس مدرسة شعرية عربية معاصرة تجمع بين الأصالة والمعاصرة ، من أجل النهوض بالحالة الشعرية القائمة في الوطن العربي
2. التواصل مع مختلف النخب والمعنيين بالشأن الثقافي والأدبي للعمل على تبني مشاريع عملية من شأنها النهوض بالحركة الشعرية المغربية والعربية المعاصرة والمساهمة في تعميق مفاهيم الأصالة والانتماء لدى المتلقي أينما وجد .
3. العمل على تعريف المتلقي بمختلف النماذج والأشكال الفنية الشعرية السائدة في الوطن العربي وبعدد كبير من الشعراء العرب المبدعين وخاصة غير المعروفين منهم ، وتبني المواهب الشابة ودعمها بكل وسيلة ممكنة .
4. العمل على تفعيل حركة النقد الأدبي للمساهمة بدور فاعل في النهضة الشعرية المنشودة .
5. تبني قضايا الأمة بمختلف اتجاهاتها في الدعوة إلى الفضيلة ، والنضال من أجل الحرية ، وإحقاق الحق والعدل ، ومحاربة الزيف والباطل
6. العمل على إنشاء دار نشر بهدف المساهمة في طباعة مؤلفات أعضاء التجمع .
7. إنشاء صندوق خاص لتمويل أنشطة التجمع المختلفة ، وحث المؤسسات الثقافية المؤمنة بأهداف التجمع والمشجعة له على المساهمة فيه وتقديم مساعداتها وتبرعاتها غير المشروطة .
كل هذا وغيره يظل فقط مشروعا ينتظر التطوير والاضافة من المبدعين المنضمين الى التجمع
للاشارة هذه الأهداف هي نفسها أهداف تجمع شعراء بلا حدود وقد وضعتها هنا اسئناسا بها في انتظار اقتراحاتكم
قصة رائعة
وهي من القصص التي تجذب لها النفوس
من سطر الى سطر
وعلى صوت الفيروز
هل ... الصورة الرسمية .. من شرق آسيا وحبل المشنقة .. متوافقة مع سرد القصة
سؤال
مهم بالنسبة لي
أشكرك لو أجبتني عليها
ولك مني تقدير
اقتراح
التأسيس لتجمع المدونين المغاربة، وبعد ذلك يفتح نقاش من أجل الوحدة"
لندعم هدا الاقتراح الوسط الدي قدمه المودن كحل للخلاف بين مساندي الوحدة بين الاتحاد والتجمع.
رجاء
يرغب صاحب هذه المدونة في الاحتفاء بالأدب التونسي.ولأنها مهمة جليلة و جادة,فإنه يرجو الاخوة المبدعين في كافة المجالات الفنية و الادبية والفنية موافاته بإصداراتهم حتى يتسنى له عرضها و كتابة تعليق عليها أولا بأول
كما يطلب من الأخوة القراء مساندته بالنصح و المتابعة و إملاء ماهو جدير بالقراءة
ولكم فائق محبتي
المدون
عماد شقشوق
عنوان المراسلة:شارع 7 نوفمبر عمارة الكرامة مغازة عدد19 صفاقس 3027 تونس
الهاتف:0021698656443


الاسم: رؤى ثقافية
































