الغائب وخيانة الذاكرة
عبدالوهام سمكان*
عرفت الساحة الأدبية والثقافية العربية في السنوات الأخيرة ضمورا من نوع خاص، ارتبط بالأساس بالمبدعين والموت، هذا الذي تسرب إلى أقلام عربية نابضة، قلما يجود التاريخ مرة أخرى بمثيل لها. ولعل فتح صفحة لتلك الأسماء الغائبة، وتعداد مؤلفاتها ووزنها، ودورها التحريضي الذي لعبته ضد الجمود واليأس والخنوع والهروب، خلال مرحلة رمادية انبثقت عن الهزائم المتكررة في شتى المجالات، لن يكون إلا دليلا على الضمور الفعلي الذي سيصاحب غيابها الأشبه بالجماعي.
من الخليج إلى المحيط، من فلسطين إلى المغرب، ينذر أن نجد تراب أرض عربية لم تطأه أقدام و أقلام هؤلاء الغائبين الكبار، الذين بلاشك، غابوا وفي قلوبهم الكثير من الحسرة على هذا الوطن العربي الممزق. ومثلما ينذر أن نجد تراب أرض عربية لم تطأها ولو قدم واحد منهم، فإنه يستحيل أن لا تستقر ذرة من صخب كلماتهم ومواقفهم في قلوب وفكر العديد من الباقين من معاصريهم، وحتى القادمين بعدهم، على امتداد هذه الصحاري الموحشة و الجريحة، القابعة في الصمت والخذيعة و المذلة والإنهيار.


مايحز في النفس، ويجعل أثر هذا الضمور أبلغ، ليس في غياب تلك القامات فقط، فالغياب على أية حال يبقى تجربة خاصة و غامضة وإن كانت مفتوحة في الآن نفسه و تستلزم وجودها على كل كائن حي، ولكن الذي يحز في النفس بشدة، هو ان تقفل الذاكرة الجماعية دفتيها دونهم، وأن تُعَلَّق مشاريعهم غير المكتملة دون أن تجد من يسلط الضوء عليها. فلا وسائل الإعلام العربية المشهورة اليوم بملياراتها المكدسة و صخبها الفانتازي، ولا دور النشر التي لعب بعض الغائبين دورا مهما في انتشارها و شهرتها، ولا الكتاب والفنانون و المفكرون الباقون و الحاضرون الجدد، التفت كما يجب، أو حتى أقل مما يجب، إلى أولئك الغائبين و دورهم الريادي ومشاريعهم التنويرية. لا قناة من القنوات العربية أنجزت و لو روبورطاجا واحدا حقيقيا و جديا، يسلط الأضواء على تاريخ و لو واحد من أولئك الغائبين، وعن تجاربه ومؤلفاته وأفكاره واحتمالاته وأسئلته، هذه التي تعتبر أسئلتنا جميعا، وجسر العبور إلى مستقبل فعلي لهذا الوطن. ولا دار نشر واحدة تفتقت عنها فكرة ترسيخ جائزة قيمة ( ليس بالضرورة ماليا، ولنا في قراءة جائزة الغونكور الفرنسية مثال عن القيمة بعيدا عن المال) تحمل اسم أحد الغائبين، الذي كان يتعامل معها، وبذلك تساهم في حفظ إسمه من النسيان، وتحث على تناول كتاباته دراسة وبحثا، وتكون بذلك هي أيضا أحد أكبر المستفيدين، بإعادة نشر كتبه وكسب كتاب جدد. وفي النهاية، لا أحد من الكتاب الباقين كرس وقته وقلمه وجهده للغوص في تجربة أحد رفاقه الغائبين، خصوصا إذا استثنينا، تلك المحاولات التقزيمية التي ترتبط بالصدفة، كأن تطرح مجلة ما ملفا خاصا حول أحد الغائبين، أو أن يضمن مهرجان أصفر إسمه في صدر لافتاته وصيغه الإشهارية لكسب بعض المصداقية، وفي مثل هذه الحالات تأتي الكتابات عن الغائب عاطفية وفورية، وكأنها قصيدة عشق تقليدية؟.
إن تنشيط الذاكرة وحثها على التسجيل و التأريخ و القراءة والتحليل والإستفزاز، يتطلب إفراغها من تأثير الإنفعالات الفورية والعاطفية، وتفرغها و شحنها لبلوغ هدف محدد، خصوصا إذا تعلق الأمر بإعادة إنتاج منتوج ذو بعد إنساني، ويمكنه أن يساهم في تغيير لحظة رمادية لمجتمع، ولو على مستوى طبيعة التفكير. وهذا ما كان يلح عليه بشدة عبد الرحمن منيف، أحد أهم هؤلاء الغائبين الكبار، حيث يقول في مقدمة كتابه" ذاكرة للمستقبل":"... إن الغياب، الموت تحديدا، يساعد على إعادة الإكتشاف، بعيدا عن الضغط الموجه أو حمى المنافسة وتحكم قوانين السوق." وهذا ما سعى إليه هو بنفسه وكرس له جهده وكتبه ( لوعة الغياب، عروة الزمان الباهي، ذاكرة للمستقبل، رحلة ضوء)، غير أنه بغيابه خفتت هذه الرحلة الإكتشافية، و صارت في حاجة إلى ضوء يبدو أنه سيتآلف مع الغياب والنسيان، ولربما الخيانة؟
نادرا ماتعجز الذاكرة، سواء الشخصية أو الجماعية، عن استحضار الأحبة الغائبين، وأفعالهم وأقوالهم، وعن طرح أسئلتهم والأسئلة حولهم، ومحاولة اكتشاف مناطق الظل فيما خلفوه. غير أنها حين تعجز، يكون صاحبها إما أصيب بفقدان الذاكرة، أو أن طبع الخيانة قد امتد إلى كل شيء فيه، حتى إلى ذاكرته؟.
في حالة غائبين كبار ك: إدوارد سعيد، إحسان عباس، عبد الرحمان منيف، محمد شكري، محمد القيسي ومؤنس الرزاز.. وآخرين، خصوصا أولئك الذين رهنوا حياتهم و أقلامهم بأمانة لقضايا هذا الوطن، سواء فيما هو مرتبط بماهو فكري، أو ماهو مرتبط بماهو اجتماعي أو سياسي. هؤلاء الذين لم يتقاعسوا كغيرهم تحت إغراء مرق موائد النفط المستحدثة و مرق موائد القصور، مثلما لم تصطدهم صنارات إسرائيل المسمومة. في حالة هؤلاء الكبار فإن العجز الذي قد يكون أصاب الذاكرة بعدهم و صدها عن تذكرهم، لايمكن أن يكون سببه بأية حال هو فقدان الذاكرة ، لأن هذا عندما يحدث لا يشمل فقط الوجوه ومعالمها وفكرها، وإنما يشمل أيضا الأحلام الشخصية والطريق الخاص، وهذا مالم يحدث مؤخرا، فكل كتابنا الباقين مازالو يلهثون بإصرار لبلوغ مراميهم المعنوية والمادية التي حددوها من قبل؟ وهذا مايحيل بلا ريب إلى استحضار السبب الثاني، الذي يعلن أن الذاكرة قد يكون مسها طبع الخيانة وسَوَّس في جذورها وفروعها، وهو ما لا يأمل أحد أن يصيب ذاكرة المثقف العربي فعلا. أما إن حدث فلامفر من الإستسلام لجمرة قول طالب المعمري ذات تأس جارح:" كل نداء سراب في المدى... ماذا يكون من كلام في مقابل الغياب والخراب" و "الخيانة أيضا" أضيف معتذرا منك ياطالب.
* كاتب من المغرب
كتبها رؤى ثقافية في 02:12 مساءً ::
أخي الكريم
معك كل الحق في ماذكرت
أشكر زيارتك الكريمة
وموضوعك الواقعي الجميل
دمت بكل خير
ما ذكرتَ من أسماء لا يمكن أن تنسى إلا في حالة الخيانة .... فمن من هؤلاء لم يطبع الفكر العربي ببصمته ؟؟؟؟ سلمتَ ودمتَ بخير .
الاشجار تموت واقفة. والكبار كدلك يرحلون. ونبش الداكرة يظل بقلمهم. بمواقفهم الصلبة.
يفرضون شخوصهم رغما عنا. ورغم ان الداكرة تلعب لعبة النسيان.
شكرا على زيارتك. دام لك الحضور والتجلي.
مودتي.
مع الاسف الشديد, هاماتنا الرائعة رحلت وتركت فراغا لايسد.
يبدو ان قدرالمثقفين العرب الحقيقيين هوالموت مرتين.
شكرا على الاضاءة
اخي العزيز ..
من الظلم ان تنسى تلك الاسماء الكبيره .. هي باقيه مدى الدهر .. فهم رحلوا جسدا لكنهم معنا روحا .. بمؤلفاتهم وكتاباتهم .. بوركت تحياتي.
أخى العزيز ..
كل عام وأنت بخير ..
جازاك الله خيراً .. ماأروع
تلك الذاكرة .. التى تحوي
أولئك الرائعون ..
تقبل تقدير وأحترامى..
ونأمل التواصل ...........
اخي العزيز كل عام وانت بخير
هذا النسيان هو مظهر من مظاهر الهزيمه والانكسار الذي نعاني منه
وان كنت الاحظ من خلال متابعتي لقناة الجزيره ان لهم اسهام محمود في تغطية هذا القصور في برنامج زياره خاصه ورائدات
تحياتي اخي الكريم
أدعوكم للإطلاع علي قصيدتي زفة شهيد
الكبار موجودون ولايموتون
السيدة الطبيعة هذه الحكيمة الباذخة الحكمةتعرف كيف تحفظ البذور
محبتي
صديقي العزيز
تجولت في مدونتك انها حقا رائعة
لكن عليك ان تعذرني هذه المرة لاني لن اعلق على ادراجاتك
انما انا ادعوك للمشاركة في مدونتي الموضوع التالي
طرحت صحيفة اوروبية استفتاء حول اكثر شخصية مؤثرة في العالم ومن بينهم رسولنا الكريم وعلى ذلك فانني ادعوكم بان تصوتوا نصرة لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم
ودمت ايها الغالي بصفاء
صديقتك المخلصة
خديجة كيلاني
الصد يق سمكان في الاول و الاخير
ستبقى الكلمة..وسيبقى رموز اد بنا شا مخون
في القلب..رغم تجاهل الجاهلين
إنها زيارة للتحية و الشكر على مروركم الكريم بمدونتنا .
عنمدونة دليل مدونات المغرب.توفيق التلمساني
شكرا يااخى على زيارتك واتمنى لك التوفيق وارجو منك ان تشرفنى مرة اخرى
باسم الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أستا\ي واخي الفاضل
جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع ذو البصمات الحقيقية الواقعية
وما أزكاها من ذاكرة أو مخيلة مخملية رائدة في عالم الرصد الموزون والتجريدات الواعية
شكر الله لك
صديقي ع الوهاب
أهنئك على استمرارك في رؤى، إنه مقال جميل
مخبتي
أحداث صفرو.
أول الإدراجات على ماروك نيت.
http://maroc-net.maktoobblog.com/541253/
من لا ماضى له
لن ييش الحاضر
فكيف لنا ان ننسى عمالقه الفكر
سلمت وشكراً لزيارتك
تحياتى
اولا اشكرك على مرورك
ادراجك جميل
رمضان كريم
صدقت
فنحن الآن فى حالة فراغ أدبى ثقافى ربما كان الموت احد اهم الاسباب
يستطيع الموت ان ينتزعهم من عالمنا لكن لا يستطيع ان يمحو ذكراهم
والدليل ان هناك موتى حقيقيون يشاركوننا الحياه بينما الاحياء تحت الارض مدفونون
شكرا لك
و فقط ..رجعنا لحظة لاكتشاف الممكن.. والغائب عن انتباعنا طول الوقت.. لوجدنا أنفسنا الغائب الأكبر في كرنفال الصخب السياسوي.. ولماذا الغياب.. ببساطة لأن الفكر أبدا ضد الجهل والمسطح من الاشياء.. موضوعك أخي الكريم نفض ولو قليلا من غبار النسيان.. عن ذاكرة أناس أكثرنا انسانية.. وأقلنا حظا في الحياة.. دمت بجدك ومثابرتك.. ورمضانك كريم زمبارك.. نلتقي.
اخي الفاضل
جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع
من الظلم ان تنسى تلك الاسماء الكبيره
مع خالص تحياتي
وكل عام وأنتم بخير ......
http://syria-3.maktoobblog.com/
شكرا على الثقة ستوضع مدونتك غدا في أقرب وقت ممكن
أتمنى أن تضيف مدونة مغربنا إلى قائمة المدونات والمواقع
وشكرا
دعوة مؤسسة تنمية الإبداع العربي للمبدعين العرب
حرصا من مؤسسة تنمية الإبداع العربي علي مشاركة المبدعين العرب في جميع الأنشطة العربية الساعية للتغيير العربي ندعوكم للمشاركة في هذا الاستبيان ونتمني أن تشاركوا فيه ولا يقول احدكم لا فائدة كن ايجابيا وشارك ستغيركل شيء
حية طيبة
موضوع محرج في مساءلته للاهمال بل ربما "ارادة الاغتيال" لرموز اثثوا سماوات مشرقة للابداع والثقافة العربية الاسلامية.حتى باتت ثقافتنا وكان ذاكرتها ذاكرة عصفور..ولربما السؤال الذي ينتصب محرجا لزمننا هو سؤال "لماذا"..هل يتعلق الامر بسؤال تراجع "الثقافي" ليتبوء اسفل التراتب في السلم القيمي السائد...ام مرد ذلك الى خفوت وذبول "وظائف الابداع والثقافة" داخل زمننا الذي بات يعاني من البؤس الثقافي والفقر الفكري..
ام ان سؤال اندحار او نكوص المشروع الثقافي "النهضوي" هو حاصل مظاهر مازق ثقافتنا التي يموت فيها افواج من المبدعين في انزواء عن اي التفاتة اهتمام مادي/رمزي..
تتناسل الاسئلة وتتفرع المواجع من ثنايا ادراجك الممتاز هذا
تحياتي وتقديراتي
تحياتي


الاسم: رؤى ثقافية




































