(المدونة تصميم شخصي لصاحبها)
 ""
 
كل نداء سراب في المدى... ماذا يكون من كلام في مقابل الغياب والخراب""
 
-طالب معمري -
 
 أنا يقظي وقلبي نائم
 
ناسية أن قدميك الخفيفتين
قد تحولتا إلي غبار
خرجت كما في الأيام الرائعة
لأستقبلك في الطريق
...
تتساقط بذور الخشخاش
محترقة بالقيظ
و فوق الحقول أهداب ضباب
و أنا وحيدة .. وحيدة كل يوم
.
 
-غابرييلا مسترال-

أيها العالم، أيها العالَمَان، يكفينا أن نزرع أما في قلب جندي من ألف،لنبصر ملايين الشعراء، وحياة واحدة....

جريدة رؤى ثقافية: الكاتب و الشاعر المغربي عبد الوهام سمكان

 
الأحد,أيلول 16, 2007


الأعمى في العتمة

 

عبدالوهام سمكان

 

 

   كنت مستلقيا على السرير الوحيد في غرفتي السطحية. النافذة كانت مغلقة، فالفصل خريف طاحن، والضوء كان مطفأ. كنت أعرف أنني لن أنام بسهولة، فأعصابي متوترة وقلبي يتألم. لهذا حاولت الإستلقاء على السرير والتأمل في العتمة دون التركيزعلى شيء أو فكرة بعينها، وذلك بغية الحصول على سلام داخلي يقلني دون توتر إلى عالم نوم أرغبه هانئا، وسط خليط من المشاعر المتضاربة. وهكذا فجأة حدث ماحدث: زارني الأعمى!

  كنت مستلقيا، مسترخيا، أحاول أن أترك لي حرية التنقل بين الأزمنة و الأمكنة والصور والذكريات البعيدة، باعتبارها متاهات ساحرة، غير أن فشلي الذريع قبل لحظات، قبل أن أطفئ الضوء و أستلقي، قص من فرصة سلامي الداخلي المنشود. قبل منتصف  الليل ببضع دقائق كنت أنهيت قراءة آخر حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة. وقد ترك ذلك في داخلي إحباطا مؤذيا ومضاعفا، يضاهي إحباطي من كوني صاحب طاولة لشواء النقائق، مطارد وغير مرغوب فيه. لم أعرف كيف حدث ولم أجد في كتاب الليالي حكاية " بائع الذرة المقلية مع العبد مسعود و خليفته الطاغية ". إنها حكاية مؤثرة وجميلة، كنت قد قرأتها قبل ما يقارب عشر سنوات، عند قراءتي الأولى في طبعة رديئة لكتاب الحكايات، ولم أعرف كيف استيقظ في الحنين خلال الأيام الاخيرة إلى تفاصيل تلك الحكاية، وسكنتني إلى درجة بدأت أتخيلها ذكرى من ذكرياتي الحميمة، مما دفعني إلى البحث عنها مجددا وسط بحر من الحكايات لا ينتهي.

   بدأت بحثي أولا في فهرس كل جزء على حدة، غير أني لم أعثر على حكايتي ، فاستكنت إلى فكرة مفادها ان ذاكرتي حقا صارت مثقوبة. لقد آمنت في توتر مفرط أن الحكاية موجودة ولكنها بلاشك تحمل عنوان آخر. كنت أعرف أن المضي في هذا الإتجاه ليس سوى حمال يأس، لذلك قررت الحد من توتري والبحث مجددا. وضعت الأجزاء الأربعة قرب السرير، وتوهما مني لتوفير بعض الوقت، بدأت أفتح الأجزاء حيثما أتفق وأقرأ جزءا من الحكاية المفتوحة وانا اقر أنني حين سألمس فيها مؤشرا ولو ضئيلا إلى حكاية بائع الذرة، أعود وأقرأ الحكاية من أولها. غير اني وجدتني اسقط في فخ حكايات جاذبة، وصارت كل حكاية ترميني إلى أخرى دون أن أعثر على حكايتي، وببساطة تَقَبٌّلٍ ادركت أن المضي في هذا الإتجاه هو متاهة المتاهات، فكم من حكاية وجدتها الكاذبة وكنت المخدوع. وهكذا قلت أن لابد مما ليس منه بد، وأعدت قراءة كتاب الليالي.

  في الدرك الأسفل من الهزيمة، وجدتني أغوص في ظلمات من التمني والتوهم والتعجب والإستفهام، بعد ان انهيت كتاب الحكايات دون ان اعثر على حكايتي. كنت متأكدا اني قرات الحكاية من قبل، كتاكدي من أنها ما ينقصني في تلك اللحظة!

كنت مستلقيا. الصراع في أوج غباره بين فكرة الإسترخاء و الـتأمل وبين حقيقة الهزيمة المنغصة. وكانت الغرفة شديدة الظلمة لا يكسرها سوى خيط نور يتسرب خفيفا من فتحة بين ردفة الباب وإطاره. وفجاة من تلك الفتحة تسرب هو .

كنت مستلقيا على ظهري، واضعا مؤخرة راسي على الجدار المقابل للباب، وكان الجزء الاخير من الف ليلة وليلة قرب السرير على أرض الغرفة العارية والباردة، وكنت أضع يدي اليسرى عليه، حين لمحت في لحظة طعن لإغفاءة محتملة ضوء الفتحة يغيب لثانية، وظلا ما كانه شبح يتسرب كخيط دخان ويتضخم فجأة إلى درجة اني رأيت منخطفا بعد لحظة سقوط الضوء المتسرب على جانبه الأيمن ذو العكاز، و تخيلت تحركه المتثاقل إلى الجهة الأخرى من الغرفة، حيث يوجد مكتب صغير مصنوع من تكوم جرائد قديمة بانتظام فوق بعضها البعض ومغلف بقطعة بلاستيك مزوقة، وقربه توجد مكتبتي الصغيرة التي صنعتها بنفسي من أخشاب مهترئة. كانت العتمة في أشدها حين سمعت صوتا هو نفسه الصوت الذي تصدره قوائم الكرسي الحديدية عند احتكاكها بزليج الغرفة. أحسست برعدة وفكرت برمي البطانية عني والوثوب لإشعال الضوء، بينما أتمتم بإيمان مباغث: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ومع إتمامها دوت في الغرفة ضحكة مجلجلة ألزمتني فراشي قبل أن ياتيني صوته رخاميا:

-         مابك؟ ... أتخاف الأشباح؟ كانت الكلمات كأنها ملفقة! ثم سمعت ضحكة أخف من الأولى، ورغم هلعي شممت فيها رائحة معرفة بعيدة!

-         .......

-         مابك صامت؟ غادر خوفك ... فانا على اية حال لست كلبا من كلاب سوقك. ! ثم نفس الضحكة الصغرى التي لمست ألفتها هذه المرة اكثر..

-         من أنت؟

-         .... !؟ أتريد أن توهمني أنك لم تعرفني؟ لابأس... أقول لك من أنا... أنا الأعتم. قهقه قليلا واردف: ألست أنت من يسمني الأعتم؟.

-         من أنت؟

-         ويحك! أنا بورخيس... خورخي لويس بورخيس.

مررت أصابعي على عيني محاولا أن أميز حقيقة أني لست نائما؟ مان الهلع قد غادرني رويدا، وكلاب السوق تراجعت عن مخيلتي، فقررت أن أحسم الأمر، وللتو فكرت بإشعال الضوء قبل أن توقفني كلماته:

-         أعلم أنك الآن تفكر في أن تراني كفاية... تريد أن تحسم أمرك. لكن إعلم ان فكرة الضوء لن تجعلك تراني أبدا.

-         إذن أنت لست بورخيس. قلت شبه مغتبط.

نظر إلي بإمعان وهو يسحب نفسا عميقا من سيجاره الكوبي الثمين، ولم أكن أعرف قبل تلك اللحظة أن بورخيس يدخن، مما سيقوي شكي في كلامه، وكنت خصوصا أستغرب تدخينه لسيجار كوبي باهظ الثمن، هكذا كنت أفكر، غير أن انعكاس الضوء المنبعث من السيجار على ملامح وجهه أسقطني في الحيرة. لقد كان فعلا هو بجبهته المتغضنة، وشعره الرمادي، ولونه المائل إلى الحمرة، وأنفه الفقري، وجفني عينيه البحيريتين، والفراغ الكبير الممتد بين فتحتي أنفه وشفته العليا دون شارب، وذقنه المتساقط. تبا، إنه هو فعلا! كما رأيته سابقا في الصور، ومثلما كنت أتخيله! أحسستني اتمرغ في حيرتي قبل ان ينتشلني مجددا:

- أتعلم أنك في شكك تذكرني بآخري؟ بخورخي لويس بورخيس حين التقيته ذلك الصباح من سنة 1969 في مدينة كمبردج، حين كنت أستريح على مقعد أمام نهر شارل... طبعا أنت تذكر هذه القصة، لأنها في نظرك أردأ قصة قرأتها، رغم أنها في أعماق لا شعورك سحرتك عميقا!

أجبته متباهيا:

- إعلم جيدا انه لم تعجبني أي من قصصك! فبالأحرى ان تسحرني تلك القصة الرديئة! أنت شخص نرجسي حتى بعد موتك، وحتى عندما تأتي ضيفا متوهما! ولعل الأرجنتيين حقيقون بموقفهم منك ومن إبداعاتك المستغلقة عليك في برجك الوهمي. أما بالنسبة لي فما سحرني في العمق، فليس قصصك وإنما طرائق تناولاتك وتقنياتك.

لم أعرف كيف واتتني الكلمات في ردي الأخير، وأحسست ببعض الندم، فسواء أكان الجالس في غرفتي شبحا وهما أم بورخيس ذاته، ماكان علي أن أكون صريحا، جارحا، وعدوانيا حتى تلك الدرجة. لقد كان بالإمكان ان تكون ردة فعله صارمة، ولعل أبسطها ان يغادرني. وأنا في تلك اللحظة كنت في حاجة إلى مجالسته. لقد كان الإحباط قد حاطني من كل الجهات قبل مجيئه. فقائد الحي غصبني في طاولتي لبيع النقائق بعدما أشبعني سبابا وشتما، متضرعا في قوته بريبورتاج تلفزي حول القبض على بائع نقائق يدبح الكلاب بالعاصمة. وهكذا وجدتني في أمس الحاجة إلى هروب ما. انتبه بورخيس لسهوي فقال محاولا العودة بي:

- إنه الزمن، الزمن الذي لا يمكن أن يكون سوى متاهة، هو في حقيقته خنجر، خنجر لا متناهي يمتد فينا وفي أحلامنا. ومن أجل عدم الإستسلام لطعناته، حتى لا أقول مبارزته( لأننا بأية حال لن نستطيع ذلك كليا) لابد من حبك. الحبك رؤيا. نستطيع فعل ذلك حتى بحياتنا المنذورة للفشل الذريع في نهاية المطاف.

قلت شبه مذهول من كلامه الذي بدا لي بليغا بشكل ما:

- من الصعب علي أن أتقبل كلامك كليا. فقولك الحبك رؤيا يبدو حكيما، لكنه يأفل بسرعة خانقة أما الفشل الذريع في نهاية الأمر كما قلت. ولعلي أستطيع ان أضيف موسعا امام إيمان مسبق وضارب في العمق بالفشل الذريع في نهاية الأمر.

لم أع إلا الآن أن كلامي الأخير لم يكن سوى مرآة لشعور أخرق هاجمني لحظتها! كنت آمنت نهائيا أن زائري حقا، كان خورخي لويس بورخيس، واني أكثر من هذا أئن بتلذذ وأنا أحاول الهروب من سلطته الضارية! صدرت عنه أخيرا قهقهة صغيرة بعد طول صمت، غير انها لم تغير شيئا من طعم مرارة صوته:

- لم أكن أتخيل أنك ستدفعني إلى كل هذه المتاهات التي صرت في غنى عنها منذ زمن بعيد. لقد زرتك من أجل أمر بعينه. لكن لا بأس من محاورتك. حين تحدثت لك عن الزمن الخنجر و الحبك و الرؤيا، لم يكن كلامي مجردا، أما إن تشبتت برؤيته كذلك فما عليك سوى العودة لمقالي " بورخيس و انا" ، حيث حياتي أحاول ان أجعلها هروبا جميلا و أدبي يبررني، فرغم ان الصفحات لا تستطيع إنقاذنا، ورغم اننا نفقد كل شيء... وكل شيء قد يتبعثر في مهب النسيان، فإنه أيضا قد يغدو في ملك الذاكرة، حيث تشع شجرات الحياة و الضوء.

صرت أنظر إليه و أنا أحاول ان أربط حلقات كلماته المتدفقة كسيل منحرف. وفجأة أدركت انه يدرك مدى هشاشتي. لم ينتظر ردي  و لم يصر على المضي معي في حوار قد يصبح أعرج ( هذا ما تخيلته لحظتها). قال لي بصوت رخيم، لا تصنع فيه ولا تعالي:

- يزعجك عميقا أنك لم تجد حكاية بائع الذرة!

- ........

- هي موجودة لكنه العمى!

- العمى!؟ ( قلت وأنا شبه مأسور للكلمة، حيث بدت لي مختلفة بشكل ما عنها لو نطقها آخر)

- أجل. إنه العمى الذي يستطيع الزمن أن يغرزه فينا، كلما كنا مطواعين لذلك... ففي أي مكان على هذه الأرض وفي أي عصر، ثمة شخص وثمة الزمن بخنجره سليل العمى، وفي كثير من الأحوال لا يملك الشخص لذلك عمق الرؤيا أو قوة الحبك!

- ثمة شخص أرجنتيني في سنة 1919! عاش بجينيف بضع سنوات... كان إسمه أيضا خورخي لويس بورخيس! (قال نعته الذي هو نعتي وقهقه ساخرا) لقد حاول أن يسبر عمق الرؤيا، لكن العمى حال دون ذلك، ولم يستطع تجاوزه إلا بعد ذلك بسنوات عديدة... حين صار أعمى بالفعل!

حتى هذه الكلمات بالضبط، صرت أرى بورخيس بوضوح تام و أنا أسمعه، لقد كان هو نفسه، وكانت متاهاته المستغلقة تكاد تنفتح لي بليونة مطرزة. كان يتحدث لي عن حكايته وعن آخره، وكنت أعرف أنه يتحدث عني وعن ظلمتي !

قرب السرير، على أرض الغرفة العارية والباردة، كان موضوعا الجزء الرابع من كتاب ألف ليلةوليلة، وكنت ما أزال أضع كفي عليه متبركا، حين أشار بورخيس بسيجاره الذي لا ينطفئ باتجاهه وهو يقول:

- خذه وا فتحه.... إنها الليلة ٦۰۲ !

- .........

قلت بعد حين و أنا أفاجأ بماهو مكتوب على غلاف الكتاب، بخط أنيق و متوسط الحجم:

- على أية حال، ليس هذا كتابنا المقدس يا بورخيس... مهما بلغت قيمته، ومهما تصحرت متاهاتك!

صدرت عنه الضحكة المجلجلة التي أطلقها مفتتحا بها غزوه.

كان مكتوبا على الغلاف " الجزء الثالث" عوض "الرابع" الذي كنت متأكدا من أني وضعته قرب السرير بعد أن أنهيت قراءته، بينما أعدت الأجزاء الأخرى إلى رف المكتبة مباشرة بعد إنهائها. كانت دهشة هذا التغيير الساحر واللامنتظر قد أسهتني قليلا عن سحر أكبر. لقد كانت العتمة والبرودة محيط تلك اللحظة، فكيف استطعت قراءة ماهو مكتوب على الغلاف؟ نظرت حائرا و شبه ساه إلى بورخيس ( رأيته بكل وضوح)، بدا هو أيضا شبه ساه وهو ينظر إلى السقف بكافة حواسه، و كأنه نبي يتلقى إلهامه للتو. جاءني صوته بعيدا جدا، قريبا كأنه يخرج من أعماقي:

- حسنا أنت الآن تفكر في أنني دجال أوساحر يحاول اقتفاء خطى الأنبياء.

- .................

- قد يكون ذلك صحيحا.... لكنك على أية حال لن تختلف عني كثيرا!

تدحرجت ابتسامة صغيرة و ساخرة على ملامحي قبل أن يردف:

- ...فكلانا يلتذ بسرد الحكايات!

- وكلانا وافقت سنينه اضمحلال بلاده!

- وكلانا يكذب دون إحساس بالذنب!

- وكلانا محافظ بشكل ما!؟

حين انتبهت، لمحت نفس الإبتسامة الصغيرة والساخرة، وقد انعكست على ملامح بورخيس. وفي حمى التوهم تساءلت في نفسي:" ألا يمكن أن تكون الإبتسامة قد ارتسمت على ملامحه، ثم يحدث انعكاسها على ملامحي الآن؟".

لا يهم. قال بورخيس بجدية مستهترة ثم أضاف: لم يتبق لنا من الوقت إلا القليل، فلنترك عنا هذه المتاهات!

وحاول أن تفتح الليالي حيثما اتفق، و ستجدك تفتحها على الليلة ٦۰۲،حيث حكايتك، " حكاية بائع الذرة المقلية مع العبد مسعود و حاكمه الطاغية". نظرت إليه بحسرة متوغلة. كنت قد فكرت في أن أخبره أن متاهاته حقا ساحرة، وبأنه يمكنه زيارتي متى شاء، ولهذا ليس ضروريا أن نسعى مسرعين إلى إنهاء كل شيء الآن! غير أن إحساسا فادحا بأن بورخيس لايرى ضرورة لزيارة أخرى، تلبسني.

 فتحت الكتاب فبدت لي الصفحات رمادية في عتمة الغرفة، غير أني استطعت أن أقرأ ببعض المشقة سطرين متتالين مكتوبين بخط أبيض ناصع في وسط الصفحة:

الليلة ٦۰۲

حكاية بائع الذرة المقلية مع العبد مسعود والخليفة الطاغية

بدا لي الصفر ساحرا وسط الرقمين 2 و6. إنه أشبه بالمرآة، غير أني كنت أفكر بالزمن ومشقة القراءة في العتمة. ثم فجأة سمعت صوت بورخيس، وهذه المرة كان رخاميا منغما:

- سأساعدك. سأقرأ عليك القصة لأني أحفظها، بينما أنت تتابعها قراءة. تخيلتنا المعلم والتلميذ! لم ينتظر ردي، وفي لمحة بصر لمست العتمة تلف بورخيس حتى لم يعد يظهر منه سوى الضوء المنبعث من سيجاره و انعكاسه على رأس عكازه المذهب. ثم هكذا بدأت تجيئني الحكاية بصوت بورخيس الساحر، صرت أسمعها بصوته و أنا أقرأها على صفحات الكتاب بكل حواسي.

كان الأسى والأسف هما كل ملامحي و أنا وبورخيس ننهي القصة، حتى أني أحسست ببعض الندم على إعادتي البحث عنها. كانت هي نفسها مؤثرة وجميلة، لكن الألم كان مضاعفا. و لولا صوت بورخيس الساخر وضحكته المجلجلة مرة أخرى لما خرجت من تلك البئر، قال:

- إنك حقا أشبه به! لا تستطيع حتى الآن أن تسبر عمق الرؤيا !؟

- ؟؟؟؟

- أنا الآن أقف على عتبة 2019 وأرى كل شيء، وأعرف كل شيء! الرؤيا وحدها بإمكانها أن تحلق بنا في الزمن.

- ...............؟

- أنت لا تصدقني!

- ... !

- وماذا لو أقدم لك الدليل على ذلك؟

ارتفع نبض قلبي وتغيرت ملامحي. قهقه بورخيس مجددا و أحسست ببعض المهانة. أدركت أني مكشوف بلا حدود في حضرة هذا الأعتم. لقد بدت لهفتي على معرفةالمستقبل دون جهد، أكبر بكثير من قدرتي على التحكم في نفسي وفي اللحظة! وللتو خطر ببالي كل أولئك الذين يحملون الذبائح ويقصدون الدجالين والعرافات. قال بورخيس:

- لا تهتم! ... سأزورك حينها في 2019، سيكون ذلك ذات صبيحة شتوية، ستكون هنا في نفس هذه الغرفة، ستفتح النافذة مبكرا مثلما قد تفعل غدا، فالأرق لن يغادرك طالما أنت في بلدك، مقيما أو زائرا، ستكون رغبتك كما دائما أن تشم هواء نقيا، لكنك حينها سترى مشهدا طالما رأيته أو تراءى لك، سترى هناك تحت السواري بائع الفول مشنوقا، وسيبدو لك جسده طويلا جدا وهو مدلى ! سيكون انتحر بعدما مر قائد الحي وشطب كل طناجره و أمله!.... لكن كما الآن لن يحدث أي رد فعل إزاء هذا الظلم العام، لكون اللامبالاة عامة و نظام حياة لن يغيره جسد مدلى. بل إنه قد لايهتم أحد للامر، فلكل همه!

- وماذا بالنسبة إلي؟ لم أعرف كيف خرجت كلماتي.

- لا شيء! ستكون أنت هو أنت نفسك الآن. صاخبا في يأسك، متذمرا بلاحدود.

كانت رغبتي كبيرة أن يتحدث لي بورخيس عن الكتب التي سأكون أصدرتها حينها، لكن الخجل من قصة بائع الفول المنتحر منعني من مطالبته بذلك، مماجعلني أهرب محلقا في الأزمنة و الأمكنة و الأحداث محاولا بذلك تحقيق رغبتي بمفردي. ولم أدر متى نمت ومتى غادرني بورخيس! فقط في لحظة وجدتني أرسو على حقيقة واحدة، أنني فجأة مابين الصحو والنوم، أفقت متألما وأنا أتحسس رقبتي، غادرت فراشي مسرعا، أضأت الغرفة لأكتشف أنه لم يعد هناك ثمة أثر لأحد، فقط مجموعة من الكتب القديمة ( ألف ليلة وليلة، كليلة ودمنة، البخلاء، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، تاريخ أرمينيا القديم) كانت موضوعة بغير نظام فوق المكتب الصغير عوض مكانها في الرفوف! وإلى جانبها لمحت كتاب " المتاهات" البورخيسي في ترجمته العربية.

   نظرت إلى الساعة، لم تكن قد جاوزت منتصف الليل سوى بخمس وثلاثين دقيقة. أطفأت الضوء وعدت لأنام وأنا أفكر متى سحبت تلك الكتب من رفوفها. غير أني نمت بسرعة دون عناء انتظارالإجابة، نمت وحلمت أني أزور شهرزاد في عالم آخر. غير أن هذه حكاية وهمية!

 

 

 

 

 

 

 

 

1190039889.rm


في19,أيلول,2007  -  03:28 مساءً, مفجوع الزمان الجوعـانــي ـ محمد ملوك ـ كتبها ...

من الناس من لا يعرف أن له ربا فرض عليه الصلاة والصيام والزكاة والجهاد وفعل الخيرات وإتيان المعروف واجتناب المنكر والإستعانة به عزوجل والتوكل عليه وغير ذلك كثير ، إلا في شهر رمضان الكريم ، فتراه إذا ما سطعت شمس أول يوم من هذا الشهر المبارك ، يغتسل الإغتسال الأكبر ويطلق الدنيا ثلاتا لا رجعة فيها ، فيسبق الكل نحو المساجد ولا يحيد عن الصف الأول في الصلاة أبدا ، ويختم القرآن أكثر من مرة في ثلاتين يوما ، ويذكر الله قبل طلوع الشمس وقبل المغيب ، ويستغفره آناء الليل وأطراف النهارو إدبار السجود ، ويغض من بصره ويحفظ لسانه من كل سوء وينأى بنفسه عن كل الخبائث ويتحلى بكل ما تهواه الأنفس من خصال حميدة وأخلاق رفيعة ، حتى إذا أفل نجم هذا الشهر الكريم ، وأدى صلاة العيد مع المصلين ، عاد إلى عادته القديمة فهجر الصلاة والمساجد ، وعزف عن سماع وتلاوة القرآن ، وأطلق ساقه نحو كل مكان محرم ، وأشهر لسانه بكل كلام بذيئ ، وبطش بيده التي كان يتصدق بها في رمضان ، وصار بخيلا كأن لم يعرف للجود إسما ولا للكرم رسما ، وائتمر بالمنكر واجتنب المعروف ، وأتبع الحسنة السيئة وخالط الناس بخلق الشياطين ، وخلع عنه ملا بس التقوى ليلبس بدلها ملابس الطيش والتيه والضلال ونسيان الواحد الديان ، فهذا من الناس الذين يستحقون أن نطلق عليهم لقب " مسلمي رمضان " ....

موضوع أدعوك لمناقشته على مدونتي وشكرا
تقبل الله منا ومنكم
تحيتي ومودتي

في10,تشرين الأول,2007  -  06:02 صباحاً, عفراء خالد كتبها ...

في بدايات القصة ذكر للفشل الذريع للشخصية وهو صاحب طاولة بيع النقانق، في متابعة للشخصية والحلم الذي رآه يتضح أنه إنسان يهوى القراءة في عصر (أمة لا اقرأ)!! حتى ولو انحصرت قراءاته على الكتابات النثرية، بمعنى أنه ليس بناقد ولا بما هو أكثر أو ما يقارب هذا، لكنه قارئ متذوق له أبعاد في التفكير حتى أنه انتقد كتابة الروائي الذي زاره في الحلم، فكيف لمثل هذا الشخص أن ينتهي به المطاف كبائع للنقانق؟ تراه يتقوقع على نفسه في شرنقة الحكايات وأحلام ألف ليلة وليلة.

برأيي أن هناك خيطا رفيعا ما بين الواقع والخيال حين ينتقل المرء (كما في أحلام اليقظة) بخياله لقصة قرأها أو موقف يسترجع أحداثه ويفكر (لو أني فعلت كذا لكان أفضل، أو ليتني قمت بالرد بكذا أو عمل كذا...الخ)، هذا الخيط الرفيع هو حالة الهروب التي غالبا ما تعتري نفوسنا بسبب الضغوط التي تمر بنا والتي تحبطنا، فمن منا لم يمر بهكذا مواقف نشعر فيه أننا أنجزنا ثم نكتشف أن ما أنجزناه لم يحظى برضا المدير أو الزعيم! وجميل في الرؤيا المذكورة أن قدوم الشبح المزعوم يحاول أن يعيد بطل القصة إلى أرض الواقع، ليذكره بنفسه، بدليل أن صاحبنا بائع النقانق أخذ يعيد النظر في تلك القصة التي بعنوان (ليلة 602 حكاية بائع الذرة المقلية مع العبد مسعود والخليفة الطاغية)، فما هي سوى رموز واقعية، فمهما هربنا من واقعنا فإننا نعود إليه، سواء كان في اليقظة أو المنام.

لو اعتبرنا القصة رمزية فإني أشبهها بحالنا نحن أمة العرب والمسلمين -للأسف-، ما تعلمنا من حياتنا سوى طمر المواهب الحقيقية وإحباط أصحاب العقول النيرة بإدراجهم تحت قائمة الغياب الفكري، في حين أن الغلطة هي لأولئك الذين قاموا بالتغطية على أصحاب العقول برفع مقام العقول المهمشة وليست المبدعة. فكيف ننقذ هؤلاء وأنفسنا من براثن التهميش؟ أكثر هؤلاء المبدعون هاجروا إلى دول العالم الأول وتم تهجير عقولهم وتسخير إبداعها لصالح هذه الدول، في حين أن عندنا هنا مواهب حقيقية تجدها مطمورة أو مُحبطة لم تخرج للنور لأنه تم الحجب عليها.

الأعمى في العتمة قد يأتي بصور مختلفة لكل شخص، وكما أن الأعمى هنا متقد البصيرة (وليس البصر) فكأنه حالة شلل أو بالأحرى إعاقة، وهذه الإعاقة لو تحدثنا عنها فسنخوض معترك أسباب لا حصر لها تتحدث عن معاناة نظل (نلت ونعجن) فيها ونأكلها، ثم ننسى ما أكلنا!!!!

قصة جميلة أيقظت ذهني لحال من الإحباط والإحساس بالقيد المقيت. شكرا لك يا أستاذ سمكان على رؤيتك فيها.

فائق مودتي واحترامي

في04,تشرين الثاني,2007  -  02:28 مساءً, هشام منصوري كتبها ...

كل الحقوق غيرمحفوظة للناشر ولذلك يمكنكم إعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها

-لاحول ولا قوة في بلد مثل بلداننا العربية-.
ههههه. أنت محق، الناس ماكاتحتارمش حقوق النشر اللهم تعطيهم الضوء الأخضر، ولا حول و لا قوة إلا بالله.
تحية لك. (بالمناسبة شكرا على إضافة رابط لموقعي، سأفعل المثل لك و لمجموعة من الزملاء لأني أجدد اللائحة باستمرار، و مدونتكم تستحق ذلك).

مدونة سراق الزيت

في15,كانون الأول,2007  -  08:28 مساءً, زهير ماعزي كتبها ...

شكرا لك على هذه المدونة الجميلة....
اتمنى ان نلتقي في القريب العاجل في الحمراء
مودتي
زهير ماعزي

في09,كانون الثاني,2008  -  07:10 مساءً, محمد فولا كتبها ...

صديقي، شكرا على مرورك الرقيق، مرزوق وحنة والخمار، هل تعرف إنها المرة الرابعة التي أقرأ فيها لمنيف، ولم يعجبني أكثر مما أعجبني في الأشجار....


كل الحقوق غيرمحفوظة للناشر ولذلك يمكنكم إعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها

-لاحول ولا قوة في بلد مثل بلداننا العربية-