(المدونة تصميم شخصي لصاحبها)
 ""
 
كل نداء سراب في المدى... ماذا يكون من كلام في مقابل الغياب والخراب""
 
-طالب معمري -
 
 أنا يقظي وقلبي نائم
 
ناسية أن قدميك الخفيفتين
قد تحولتا إلي غبار
خرجت كما في الأيام الرائعة
لأستقبلك في الطريق
...
تتساقط بذور الخشخاش
محترقة بالقيظ
و فوق الحقول أهداب ضباب
و أنا وحيدة .. وحيدة كل يوم
.
 
-غابرييلا مسترال-

أيها العالم، أيها العالَمَان، يكفينا أن نزرع أما في قلب جندي من ألف،لنبصر ملايين الشعراء، وحياة واحدة....

جريدة رؤى ثقافية: الكاتب و الشاعر المغربي عبد الوهام سمكان

 
الأحد,آب 26, 2007


المخلوق الوهمي

 

أو

حكايات البيروتي

 

- عد يا سعيد، لكن حذار من الوهم...!

قال لي العم إلياس بإشفاق ملتبس حين أخبرته بنيتي في العودة إلى مراكش. قال وصمت طويلا، وبدا من عينيه الفارتين أنه حلق بعيدا كطائر مجروح، حام على أسطح بيروت مستنجدا بها فسقط في النار دون أن يعرف من أين جاءته الطلقة. لم أتردد طويلا في لمس جرحه فحاولت العودة به ، حاولت أن أبعده عن النار فحكيت له قليلا عن مريم الجزائرية وليلة الظمإ. لكنني في النهاية استسلمت لاستحالة العودة به.

- تعرف يا سعيد... هناك ذكريات لا تنتظر سوى الإشارة لتنط.. لتحرق الزمان والمكان.. وبيروت عندي إحدى تلك الذكريات... بيروت أمها ..! وأنا لا أحكي لك الآن عنها لأشدك إليها، فأنت مشدود إلى مراكش بالفطرة، بسنوات الوجود الأولى، بقلبك الذي لا يتسع الآن إلا لها.... لقد تعلمت من تجربتي في الحياة أن المدن كالأحبة، وأن الإنسان حين يخلط قلبه بمكان أو زمان كمثل الإنسان حين يتيم بحبيب، فلا يستطيع احد فك رباطهما، يصير الواحد مفتونا بذلك الآخر ... أعرف هذا، ولهذا فإنني حين أحكي لك عن بيروت فلأنني أحتاج أن احكي عنها لنفسي فقط... أحاول أن لا أطاوع قلبي مثلما طاوعته أنت... أحاول أن أملأه بصور كلها خراب وفتن ... صور كلها رنين يأس وموت... لا أريد أن انجذب إلى حنين العودة وإلى ماض لن يعود.....

و حكى العم إلياس عن بيروت مثلما لم يحك عنها من قبل، لم يحك عن الخراب والفتن فقط كما أوهمني في البداية، بل حكى أيضا عن الجمال والنساء والأشجار والعصافير... حكى عن الذكريات الضاجة بالفرح وبياض الأرز والثلج، عن التاريخ والأدب، عن الديانات والروح الواحدة، عن الشوارع الممزقة  بالحروب والألوان، وعن نفسه الحميمة بالذكريات والصور والأحلام ومي...!

تغير وجهه شيئا فشيئا إلى أن صار كقبيلة أطفال في يوم عيد. فقام وأغلق باب المكتبة علينا، أحضر زجاجة خمر معتق وكأسين من بلور منمنم:

- في صحة بيروت ومراكش – قال وابتسم قليلا- لنتوئمهما على مزاجنا... فنحن لم نشرب نخبهما رغم كل هذه السنين في باريس...

أحسست بلدغة ما في قلبي. أحسست أنني لن أر العم إلياس مرة أخرى، غير أني أبعدت إحساسي هذا بدعوى أنه شعور وليد الخمر والغربة والحنين المتوهج. وفي تلك اللحظات كنت أتساءل عن جدوى علاقتي بهذا البيروتي الشيخ؟ ترى هل كان مجرد صديق ككل أصدقائي العرب في باريس أم أن هناك رابط أقوى؟

في تلك الليلة التاريخية لكلينا، كتلك الليلة الأولى التي التقينا فيها أول مرة قبل 15 سنة بباريس ذاتها، بدونا أكثر من أي وقت آخر أعمق حزنا وأكثر صفاء و أشد قربا. وسأتذكر هذا بعد سنوات بين أزقة مراكش وأنا أتابع قصف بيروت الأخير لأشعر بالأسى يغمرني وبمدى صدق تلك الصور المرعبة التي دفعت العم إلياس إلى البكاء وإلى الحكي بكل ذلك التشاؤم عن مدينة لا تحيا إلا لتموت....

في تلك الليلة لم نبق لوحدينا، جاءت أطياف الماضي تحوم فوق رأسينا حتى كدنا نشعر بأنفاسها تلهت قربنا. رأينا معا مي وهي تحلق بفرح ليلة زواجها بالعم إلياس كطفلة لا تكبر أبدا ولا تغيب... هل كان العم إلياس يحكي لي حكايتها أم كان يصورها أمامي، ينفخ في روحها وروحه؟ كانت حينها مي في سنوات مراهقتها، وكانت تطلق ضفيرتها خلفها حتى حدود ركبتيها، وتحمل في يدها اليسرى دمية ثخينة لا تمل من غسلها وتغيير ملابسها مرتين في اليوم، وكأنها ابنة لها من لحمها ودمها. كانت مي تقضي أيام مراهقتها تلك بين حديقة البيت وكرسي في المطبخ وغرفتها المغلقة، وقد حاول أبواها إخراجها من حالتها تلك و جعلها تعيش حياة طبيعية كالبنات في سنها، وذلك عبر دفعها للخروج في فسحات مع أقرانها،  وتسجيلها في مدرسة نُعَيْمَة للبنات التي أسسها أحد أبناء القرية بعد أن عاد من أمريكا، حيث قضى عشرين سنة من الغربة في تحصيل العلم وفنون التربية الموازية، كما سجلاها في معهد "مدام يوفاري" لتعليم اللغات الحية والموسيقى والرقص الأوبرالي، غير أن كل مجهوداتهم ذهبت هباء. فمي تلك الفتاة الشديدة الجمال والذكاء، والتي سلبت كل عقول شبان قريتها والقرى المجاورة منذ بلغت سنها العاشرة، والتي بلغ صيتها حتى أطراف بيروت، والتي جعلت كل فتيات القرية يحسدنها، كانت تعيش عالمها الخاص.......

البقية تحت الرقن

 

 



في14,أيلول,2007  -  12:36 مساءً, خلود السواح(زهرة اللوتس) كتبها ...

تذكرنى مدونتك بعالم فنى يحتضر

في14,أيلول,2007  -  12:53 مساءً, رؤى ثقافية كتبها ...

شكرا لك زهرة اللوتس على إعلان إحساسك هذا ... يسعدني أن تكون مدونتي تحيل على عالم فني حتى وإن كان هذا العالم يحتضر....


كل الحقوق غيرمحفوظة للناشر ولذلك يمكنكم إعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها

-لاحول ولا قوة في بلد مثل بلداننا العربية-