المحظوظون والمنسيون

كتبهارؤى ثقافية ، في 10 يوليو 2007 الساعة: 15:28 م

المحظوظون والمنسيون

عبدالوهام سمكان

 

"إن قدر عدد من المبدعين المميزين الغياب في الزمن الخطأ"

عبدالرحمان منيف

 

خلال زيارتي للمعرض الدولي الأخير للكتاب بالدارالبيضاء، لم أعرف كيف ومتى خامرني ذلك الإحساس الجارف بالغربة الفظيعة، وكاني أسير في المكان الخطأ؟

هل حدث هذا عندما قصدت المقصف قرب المدخل الرئيسي للمعرض لتناول قهوتي، فلمحت بعض محترفي الكلام والفرح المزيف وقد تناثروا على الكراسي وعلى جانبي ممر المدخل بضجيجهم المتمايل (كعادتهم دائما)، وكأنهم حقا بدلوا حياتهم العادية بحياة المهرجانات واللقاءات والتجمعات، مع الإشارة أنه قد يكتشف المرء في كل مرة وجها جديدا ينضاف إليهم، بعدما كان قبل زمن غير بعيد ينتقد أحوالهم و أقوالهم وينهش في سيرهم و أخلاقهم شرقا وغربا! أم حدث و أحسست بتلك الغربة وأنا ألج المعرض وأبدأ تجوالي من أجل التسوق، لأكتشف فجأة تلك القاعة المركبة التي أطلقوا عليها اسم "مليكة مستظرف" وكأنهم بريئون مماآلت إليه أحوالها وصحتها قبل رحيلها، حين وقف بعضهم عائقا أمام إرسالها للمداواة بأوروبا! بدا لي المشهد مقززا و تذكرت للتو ذلك المقال الجارح الذي كتبه الشاعر عبد الرحيم الخصار تحت عنوان "أي بلاد هذه تعجز عن مداواة كاتب واحد؟" ووجدتني أنبس: - أي جباه هذه لايستحي أصحابها؟

سبب هذا الكلام الآن وحضور هذه الذكريات الحزينة مرة أخرى هو ما قرأته مؤخرا عن ذكرى مرور خمس وعشرين سنة على رحيل الشاعر اللبناني خليل حاوي منتحرا، وكيف أن جهات متعددة في بيروت تآزرت لإحياء ذكرى تليق بشاعرهم المنتحر، رغم كل ظروف الحرب و اللا إستقرار، وذلك ليس بإطلاق إسمه على قاعة مركبة و مؤقتة كما فعل أصحابنا وجَمَعُوا وطَوَوْا! بل بتكريس أيام سيختلط فيها الحنين إلى الراحل عنهم، بإلقاء الضوء على تجربته الشعرية والحياتية، ومحاولة القبض على امتدادات تلك اللحظة السوداء التي أرخت لانتحاره، فطبعا لم تكن فكرة الإنتحار وليدة اجتياح إسرائيل لبيروت في تلك الليلة من ليالي 1982، بل لها امتدادات نفسية واجتماعية، وفي شعر حاوي ونثره إشارات كافية.

هذه الإلتفاتة المتكررة من اللبنانيين لمغادريهم الجميلين ولتجاربهم المضيئة رغم السواد المحيط، جعلتني أتذكر مجددا نظراءهم في حياتنا الثقافية و الأدبية بالمغرب. فمنذ مايقارب عشرين سنة غادرنا منتحرا المسرحي المغربي المتميز حسين الحوري، ولعل الجهات الرسمية وتلك المعلقة بين الرسمية وغير الرسمية وأولئك المرابضون عند العتبات بانتظار المهرجانات وخلقها، لم يخطر ببالهم أبدا محاولة العودة لإلقاء الضوء على تجربة هذا المسرحي المغربي المنتحر، ومحاولة القبض على تلك اللحظة القاسية التي دفعته إلى الإنتحار و اختيار الغياب على الحضور، وتشريحها والبحث عن امتداداتها و أصولها، خصوصا أن المشهد الإبداعي بالمغرب سيعرف خلال السنوات التالية مغادرات أخرى شبيهة بحالة حسين الحوري، كانتحار الشاعر كريم حوماري والكاتب سعيد الفاضلي!

مايتوجب علينا لزاما اتجاه هؤلاء الراحلين الجميلين هو أكبر من لحظة كاذبة تشيد فيها قاعة مركبة نطلق عليها أسماءهم، ويكرم فيها أشخاص هم في غنى عن مزاحمة الأموات. بل تنظيم لقاءات حقيقية يكونون هم (الراحلون) محورها و تكون تجاربهم الإبداعية والحياتية ولحظة رحيلهم تحت المجهر، لعلنا بذلك نساهم بشكل ما في إبعاد لحظة كتلك التي سرقتهم عن قادمين جدد باتجاهها، وبذلك سنكون (كمايقال) كسبنا أجرين، أولهما أننا أخرجنا أولئك المغيبين من دائرة النسيان وقمنا بالواجب، وثانيهما أننا وسعنا من دائرة الأمل لكتاب آخرين قد يكونون في الطريق إلى اختيار الغياب.

سبحان من جعلنا نحن المغاربة بهذا القدر من القسوة والقدرة على النسيان! فلائحة كتابنا، الذين  صُمِّّم على نسيانهم و إغلاق كافة الحواس اتجاه نداءاتهم وهم أحياء واتجاه تذكرهم وهم غائبون، تطول. فقبل أيام غادرنا الشاعر بنعمارة دون أن يلتفت وزيرنا (المناضل السابق) إلى أنينه، وقبله غادرت مليكة مستظرف تحت تأثير حالة مرضها التي يخجل المرء من إعادة ذكرها ووصفها، بعدما وقف اتحاد كتابنا حاجزا بينها و بين علاجها، وقبلهما معا غادر المنتحرون الثلاثة، وغادر آخرون في صمت ودون أن يعرف أحد كيف؟.

هؤلاء جميعهم تم نسيانهم و تهميشهم أحياء و أمواتا! بينما غيرهم يتم في كل لحظة التهريج له ودعوته إلى مهرجانات الداخل بأجمعها و إرساله إلى الخارج بمناسبة وبدونها والتحرك كلما أصابته ولو وعكة برد!

هل هؤلاء الأخيرون كتاب أكثر من الآخرين أم أن هناك أسبابا ثاوية في الصمت والغموض؟

لماذا حين تعرض إدريس الخوري إلى كسر (الله وحده يعلم كيف حدث ذلك) قامت قيامة البعض ولم يصمتوا حتى عندما كللت العمليات بالنجاح (العملية الجراحية وعملية تدخلهم، حيث تم نقله تحت وصاية ملكية من مستشفى ابن سينا إلى مستشفى الشيخ زايد التخصصي)، بينما لم يهتم أحد لأنين بنعمارة أو لتساقط لحم مستظرف؟؟

متى تلتفت كافة الجهات لتكرس بعض جهودها وأقلامها لإلقاء الضوء على أولئك الراحلين الجميلين الذين همشوا وتم نسيانهم في حياتهم وفي غيابهم؟ أم أننا سننتظر إلى أن يرحل أولئك المحظوظون في حياتهم ليصبحوا أيضا محظوظين في مماتهم؟؟  

 نشر هذا المقال بجريدة المساء المغربية / عدد 240  بتاريخ: 27 يونيو 2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عبد الوهام سمكان | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



كل الحقوق غيرمحفوظة للناشر ولذلك يمكنكم إعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها

-لاحول ولا قوة في بلد مثل بلداننا العربية-