رواية ميترو محال

كتبهارؤى ثقافية ، في 30 يونيو 2007 الساعة: 23:03 م

سخرية التحولات والأحوال

 في رواية "ميترو محال"

عبدالوهام سمكان

- 1-

حك الجرح: القاسم وغير المشترك

 

  في روايته "الطبل الصفيح"، الرواية الأكثر شهرة في الأدب الألماني والتي توجت بجائزة نوبل للآداب في العام 1999، يحملنا غونتر غراس على جناح سخرية بطله القزم إلى الإطلال على واقع بلده، الإجتماعي والثقافي والسياسي، في واحدة من المراحل الأكثر إثارة وغرابة في تاريخ ألمانيا المعاصر، لكن الأجمل في رواية تتناول تاريخا ملغوما وواقعا يعج بالمتناقضات هو ارتكازها على حكاية! حكاية ذلك القزم صاحب الطبل الصفيح ، نزيل مصحة الأمراض العقلية والمراقَب طيلة إقامته بها. القزم الذي سيتوقف نموه فجأة على إثر سقطة! والذي سترتبط حياته بالنقر على طبله وعلى تهشيم الزجاج بالصراخ. هذا التوقف عن النمو سيقود القزم السارد إلى عيش حياة فريدة متفردة، مثلما سيقوده إلى سردها فيما بعد بكل سخرية. لم تكن الحكاية صورة لحياة البطل فقط، بل هي صورة مجتمعه وبلده، صورة مذابح عرقية وأقليات قومية ودينية، صورة حرب عالمية وفكرة نازية. إنه سرد متنكر الوجوه، تنظم خيوطه المتعددة والمتداخلة خيوط حكاية القزم المتمرد السارد، المتوقف عن النمو! لكن في إحدى  تطورات الحكاية، ستتكسر الرؤية رغم سحرية المقَدَّم، حين يبدأ القزم فجأة بالنمو ( على إثر سقطة مرة أخرى) في سن تحسب على اليأس!؟ الدلائل عميقة ورامزة، وغونتر غراس المعروف بملاحظاته النقدية الجريئة ، لا يمكنه أن يدمج هذا التحول الفجائي اعتباطيا، ولعل حياة الكاتب ومتغيرات المجتمع الألماني خلال و بعد الحرب العالمية الثانية، رغم كل الضغوطات الدولية، تبرر الحكمة في هذا التحول المحكي.

  في رواية "ميترو محال" للكاتب الروائي والمسرحي والسيناريست المغربي يوسف فاضل، تحملنا الحكاية أيضا على جناح سخرية بطل قزم! تنمو الحكاية وتتطور وتتلون خلال ردح من الزمن، يبدأ من عقد الثلاثينيات من القرن المنصرم، ولا يتوقف رغم وصول الحكاية إلى حافة النهر! حين يتوقف البطل القزم عن السرد وهو يسير لتتوقف الحكاية في الظلام "أسير الآن في هذا الليل لأنجو مؤقتا. متحسسا طريقي بين اليتامى والجوالين والمتشردين".

  عكس رواية غونتر غراس لا تتكسر الرؤية في رواية ميترو محال. فلئن كانت القواسم متعددة بين الروايتين إبتداء من سردهما حكايتين لبطلين قزمين، بلوغا إلى الإطلال على واقع سياسي واجتماعي وثقافي لكل من بلدي الكاتبين، وذلك عبر لغة ساخرة في سحريتها، لاذعة في سخريتها، وعبر أحداث عميقة الدلالات، رامزة في  تطور أحداثها، فإن غير المشترك بين الروايتين هو ذلك التكسير الفجائي الرامز في رواية الطبل الصفيح، عبر استعادة البطل القزم لنموه مؤقتا، في مقابل ذلك اللاتكسير الروتيني (الرامز أيضا) في رواية ميترو محال، عبر استمرار توقف (توقيف) النمو للبطل القزم.

  في رواية "ميترو محال" لم يكن توقف النمو انشغالا ذاتيا للبطل! بل إنه يبدو أمرا مسلما به من طرفه ومحبذا في أحيان كثيرة! مثله مثل الحلم "أنا لاأحلم. طولي كذا وكذا ولم أر حلما في منامي أو يقظتي كيفما كان هذا الحلم ".

  كان عمر ميترو محال حين أحرز المغرب الإستقلال ثمانية عشر سنة، في نفس سنه تلك تأكد أبوه نهائيا من توقف نموه، وفي الواقع – يحكي البطل- أن نموه توقف قبل ذلك بعقد من الزمن!

  لا تبدو لعبة السنوات والأحوال في رواية "ميترو محال" لعبة اعتباطية، فهي حالة ذاتية محضة، لكنها في الآن نفسه مرآة لوضع عام ولتاريخ البلاد، فالتأكد النهائي من توقف النمو في حالة البطل القزم وهو في بداية سن الشباب يوازيه الحصول على الإستقلال! ثم ماذا بعد؟ ماذا بعد هذا الإستقلال؟ لاشيء، ثم لاشيء، ماعدا تلك الصور الساخرة لتطورات الفظاعة عبر شخصيات انتهازية ومتقلبة! وعبر مدن صفيحية (الكاريانات) تقوم بغتة وتختفي في صمت وبكل قسوة، وعبر فقر جارف في مقابل غنى فاحش، وعبر سياسيين و سياسة تٌخْتَصَر في معنى واحد "الإنتخابات" هذه التي تتحول بدورها إلى تجارة وسمسرة!، وعبر جيش ورجال أمن ودرك بلا مسؤولية، اللهم إفزاع الناس وزرع الهلع في قلوبهم، والتخطيط للإنقلابات وزرع الكمائن لبعضهم البعض! وعبر محاولات تغيير واهمة وأحادية يائسة لا تقود سوى إلى المطاردة و الفرارقبل أن تقود إلى  المقبرة إن لم تقد إلى السجن!…  إنه إذن ذلك اللاتكسير الروتيني الرامز، ذلك التوقف عن النمو، التوقف المستمر و المسَلَّم به، والمبرَّر إستسلاما في إحدى صوره اليائسة " لن تنال في كل الحالات سوى قدرك الضروري مما تجمع في طريقك من ركام انتكاسات آلاف السنين."  ترى هل المقصود هنا بطل رواية قزم توقف عن النمو أم وطن بأكمله؟

  في أحوال الجمود والركود لا يمكن للمرء أن يتكهن مالذي يترسب؟ ولو أن المسلَّم به والبديهي، أن المترسبات في مثل هذه الأحوال، لن تكون سوى صور فظيعة ، بمجرد مايتم تحريك المياه الآسنة حتى تبدأ تلك الصور بالإنكشاف والطفو. ورواية "ميترو محال" هي حالة فريدة وجريئة ومراوغة بذكاء، من حالات تحريك مياه آسنة راكدة منذ استقلال المغرب، عبرها ستطفو على السطح تلك الصور الفظيعة لمجتمع توقف عن النمو واستكان لحالة ركوده. ولنمو حالات اللانمو!

  غير المشترك بين الروايتين " الطبل الصفيح" و "ميترو محال" يوثِّق القاسم بين الكاتبين، وهو ذلك الإرتباط العميق لكل منهما بقضايا بلده، وقدرته على تناولها وطرحها ومعالجتها بأشكال نقدية مختلفة، ستكون من بينها تلك السخرية اللاذعة الحاكة للجرح وهي تدغدغه بمرونتها الذكية.

 

-2-

استقلال الأقزام: الولادة القيصرية ونمو اللانمو

 

  فصل قصير من رواية "إمرأة النسيان" للكاتب المغربي محمد برادة ينقل إلينا واقعا مؤسفا مماوصل إليه مغرب الإستقلال بعد حوالي نصف قرن، وذلك عبر تناوله ماوصل إليه الوضع السياسي في المغرب، ممثلا في التحول الشائك الذي عرفته إحدى المنظمات الحزبية الأساسية في الخريطة السياسية المغربية "لم أكن أدرك سبب ذلك العطل الذي كان يجعلني أنظر إلى وجوه إخواني فأجدها أشبه بساعات توقفت عن الحركة رغم أن الظروف كانت مسعفة على قلب التربة وتوسيع الإشعاع." " الآن فقط أقرأ وأسمع  بعض قادة الحزب يقولون، من فوق كراسيهم، بأن سبب أزمة منظمتنا هو تبرجزنا…. سبحان الله! هل ذلك التبرجز قد نزل هكذا فجأة من سماء واطئة؟ أم أننا أغمضنا العين وفتحناها بين يوم وليلة فوجدنا أن كل شيء تغير وهو مادفع مناضلي الأمس إلى الإستقالة أو التفرج أو الإندماج السريع في طقوس السلطة وانشغالات الحكم؟ لماذا لم يقولوها من قبل؟ هل كان اعتلاء سدة الحكومة شرطا ليدركوا أن سر الأزمة   المخيمة منذ سنوات، إنما هو كامن في تبرجز كان مرتديا طاقية الإخفاء؟ وهل هذه هي الكلمة الملائمة لتشخيص الداء"  هذا الحوار والنقاش و النقد المخفي/المعلن (إن صح القول) هو جزء من فصل قصيرينقله إلينا السارد/ الكاتب بكل أسى وتردد، في إطار حدث باذخ المعنى. لقد استدعي السارد (أحد شخوص الرواية) بعد عودته من سفر طويل إلى الرباط، في خريف 1998، إلى حفلة عشاء موسعة يحضرها عدد من الإخوان (المقصود مناضلي ذلك الحزب العتيد الذي قاد تحول ماأطلق عليه بحكومة التناوب). حاول السارد/ الشخصية أن يتملص نظرا للخيبة التي استشعرها من حفلة مماثلة حضرها قبل سنة، بمناسبة زفاف إبن أو إبنة أحد الأخوة المستوزرين من نفس الحزب (أحد المناضلين الذي أصبح وزيرا) وسبب خيبته ان الحفلة كانت "باذخة حد السفه ( ثلاثة أجواق من مناطق مختلفة، خرفان مشوية بالعشرات، بسطيلات يسيل لها اللعاب، دجاج محمر مكتف داخل الطواجين، فواكه وحلويات وعصائر بكل الألوان" لكنه تحت الإقناع (الضغط) يستجيب! ومجددا تحدث الخيبة، والتي لا ينقلها لنا السارد قولا فقط، أي تعبيرا عما يحس به، وإنما ينقلها مصورة، واصفا عوالم ومعالم  تلك الحفلة. فالأخ الذي كان مناضلا وأصبح رجل أعمال، ومكلف أيضا بالعلاقات مع القصر للحفاظ على شعرة معاوية! أضاف إلى رصيده ﭭيلا جديدة في أحد الشوارع المكسوة جدرانها بنباتات مقصوصة بعناية، أما الداخل فأفدح مما كان يتصور السارد " مدخل طويل وحديقة شاسعة ومسبح مضاء يضاهي بحجمه المسابح العمومية، والصالونات فسيحة متداخلة ومتنوعة بين النمط التقليدي والعصري، واللوحات الكبيرة تستنسخ مناظر الطبيعة ومشاهد فولكلورية، وأوان نحاسية وتماثيل لبوذا الثخين في أوضاع مختلفة مستعملة بمثابة قوائم لمصابيح موضوعة في زوايا الغرف…"  أما المدعوون فقد أضافوا إلى رصيدهم مناخا جديدا، يختلف عن مناخ أيام النضال، مناخ " تنطق علاماته وصوره وملابس ناسه، وقاموسهم بماطرأ على حالهم ( أحوالنا) من تحولات" .

  الأكيد أن مانقله محمد برادة في هذا الفصل القصير يمكن اعتباره صورة فظيعة لما وصل اليه الوضع السياسي  والحزبي بالمغرب، على اعتبار أن تلك المنظمة التي يتناولها محمد برادة تعتبر مكونا أساسيا في الخريطة السياسية بالمغرب. ويمكن أيضا اعتبار إلقاء الضوء من طرف برادة جرأة محمودة من كاتب مازال يستطيع التغلب على الحزبي القامع في داخله، وهذا بالمقابل ما لن يكون محبذا بالمطلق في المحيط القيادي للحزب! هذا الذي لا يصدق سوى كلامه، ولا يرغب أن يصدق العالم بأكمله سوى كلامه، حتى وإن كانت كل المؤشرات تثبت العكس.

  في رواية "ميترو محال" ليوسف فاضل لن يكون إلقاء الضوء على الواقع السياسي في المغرب سوى جزء من كل، على اعتبار أن الرواية تناولت أيضا وبتمحيص الواقعين الإجتماعي والثقافي، وجاءت لغتها وبناؤها أكثر تبسيطا من لغة محمد برادة. كما أن طرح وتناول السياسي توسع أكثر زمانيا وإطارا، فهو لم يتناول تحولا خاصا عرفته منظمة سياسية بعينها، بل تناول حالة مرضية معممة لكافة الاطياف السياسية، مثلما تناول مكونات وأحداث أخرى غير الأحزاب لايمكن إهمالها عند طرح الوضع السياسي في المغرب، كالقصر والداخلية والجيش (المخزن) والمقاومة ورجالها…

  إن كانت الإنتخابات تبين مدى وعي مجتمع ما وتطوره سياسيا وديمقراطيا، فإن الصورة الساخرة المرسومة لها في رواية ميترو محال تؤكد مدى غياب الوعي وتوقف التطور السياسي والديمقراطي، وذلك عبر حضور الجهل ونمو ظاهرة غريبة ومشوهة للفعل السياسي، مثمثلة في تلك الصورة الساخرة للحاج المدور "بائع العلف والميكا والبرلمانيين"  " بائع الإسمنت والآجر والبلاستيك"    والذي يملك "عشرين محلبة نشرت أصابع أخطبوطها من طنجة إلى أﯕادير. ويجلب لها الحليب من حظائره الممتدة بين سطات وبرشيد". أما ماضي الحاج المدور فهو غير حاضره " لم يكن يملك في البداية سوى عمل يديه وعرق كتفيه. اشتغل عند فرنسي يملك ضيعة في ضواحي المدينه"

  الحاج المدور الذي يختلف عن شخصية سيدي حمو المقاوم، والذي لم يحمل السلاح ضد الإستعمار بل كان أحد خدامه، والذي تغني المقتبسات السابقة في تكوين صورة عنه سيكون ظاهرة سياسية في عهد الإستقلال، بل أكثر من هذا سيكون أحد صناع القرارالسياسي والديمقراطي (الإنتخابي) في المغرب! وسترتبط علاقته بالسياسة والديمقراطية مثلما ارتبطت بالعلف والميكا والمحلبات والإسمنت والآجر، حيث سيحول كل شيء إلى تجارة وسمسرة، سيصبح برلمانيا وسيستولي على الممتكات العامة ليحولها إلى جنة شخصية مستنزفا في تحويلها عمال البلدية! سيقوم بكل هذا دون خوف أو شعور بالذنب، فهو صديق الكوميسيرات والكولونيلات، ومرحب به في كل حزب من اليمين إلى اليسار. إلى أن يفيق يوما ويجد نفسه الكل في الكل، فيقرر الخروج من البرلمان بإرادته لأنه أصبح أكبر من البرلمان والأحزاب، بعدما أصبح وليا عليهما، فهو الذي يقرر من سيترشح وكيف يترشح وأين! وبهذا يبتلع السي المدور مدينة بأكملها. ستحمل إلينا الصورة في كافة الأحوال أن السياسي أو الحزبي أو المرشح في الإنتخابات ليس سوى أداة في يد المخزن لتأكيد ديمقراطية هي في الأصل مجرد ديمقراطية شكلية.

  تبدو الصور ساخرة إلى حدود عدم تصديقها، لكن المتأمل في حقيقة الواقع السياسي وحقيقة الإنتخابات في المغرب، والمتذكر لقول غارسيا ماركيزحين ردﱢه على سحرية كتاباته بأن الواقع أكثر سحرية، لا يمكنه إلا أن يطمئن لأن الواقع السياسي والديمقراطي في المغرب ( واقع الأحزاب والإنتخابات وتدخلات الدولة) أكثر سخرية من صورة الحاج المدور، والشيوعيين الذين التقاهم في الحج، وبرلمانيو التجمع من أجل الإشتراكية والتجمع من أجل العدالة او الدستور.

  لئن كانت هذه الصور التقطت نوعا ما أحوال الأحزاب السياسية وتحولات الحالة الإنتخابية، فإن صورا أخرى التقطت خيوطا أخرى من النسيج السياسي التي لايمكن إهمالها أو تغييبها. وتأتي في مقدمة هذه الإلتقاطات صورة الأب سيدي حمو، والتي ترمز في العمق إلى وضعية فئة معينة من رجال المقاومة والتحرير.

  صورة الأب رغم حدة السخرية تخفي خلف تعبيراتها كما من الأسى والمرارة يفوق أي صورة أخرى "لقد تاه في الجبال وحمل السلاح ضد الفرنسيين والمغاربة على حد سواء. لا يهمه المكان بقدر ماتهمه الحركة" " لا قيمة لأي حكاية ليست حكايته، لا قيمة لأي بطل لا يكونه" " ظل حاملا سلاحه كواحد قرر بينه وبين نفسه أن ينهزم…. كواحد سبقته هزيمته ولا يفعل في ركضه المهووس سوى أن يلحق بها". إنها صورة لفئة من جيش التحرير ستتكبد الطعن مثلها في ذلك مثل بعض السياسيين الذين سيكون عهد الإستقلال في المغرب عهد نحرهم. لقد حمل سيدي حمو السلاح في وجه الفرنسيين وساهم في تكوين جيش التحرير " في 53 كنت كنجري بين الدواور وندخل الناس لجيش التحرير" ثم تفاجأ بالإستقلال ونتائجه وشكله! هل هو نفس الإستقلال الذي كان يحلم به؟ والذي من أجله حمل السلاح؟ تؤكد الصور أن ليس هو، إنه استقلال الخذلان الذي يأتي في غير ظرفه وكأنه يولد بطريقة قيصرية " خذله خروج الفرنسيين المرتجل. خذله أهل الرباط. والكذابون الذين وعدوا السكان بقفة من الفوسفاط لكل نفر. والذين استولوا على الكراسي في المدن والقرى." ولا عجب أن يلاحظ توقف نموه في نفس الوقت الذي تأكد فيه سيدي حمو من توقف نمو إبنه ميترو محال "موحا"، هذا الإستقلال الذي يبدو وكانه أوحي به لقطع الطريق على استقلال حقيقي.

  لن يغنم الأب من خروج الفرنسيين سوى شبح مسخ لا يفارقه، مجسدا في صورة إبنه المتوقف عن النمو و كأنه عقاب شخصي، ولن يغنم أيضا سوى الضغينة والمرارة، وأخيرا العزلة والمرارة بعد تخلي آخر مؤازريه عنه (أخوه)، ينقل الخبر إليه إبنه القزم " كيقلبو عليك.شكون؟ المخازنية. بغاو يديوك للرباط. عمي بوزيد شدوه. قالو ليه تخير: الإستعراض ولا الحبس… ولبسوه كسوة العسكر وجروه للطوموبيل…. بقي السي حمو لمدة واجما يفكر في بؤس أخيه بوزيد. ووجد نفسه يبتسم ….. هاهاها…. باش يولي قايد دايز قدام الملك كينقز بحال القرد. ولكز بغلته موليا ظهره لتنغير"

  إن تطورات حكاية الأب فيما تبقى لن تكون سوى تطورات الهزيمة المزمنة في ذهابها إلى نهايتها. فتمرد الاب على استقلال يبدو له قزما عزله شيئا فشيئا وجعله مطاردا مهجورا، إلى ان صار حالة تدعو للرثاء من طرف الجميع، حتى من مطارديه، وهكذا عوض القبض عليه يلعب هؤلاء ورقتهم الرابحة غير المتوقعة :" آشنو هذا؟ العفو الملكي". " أولئك الذين كانوا رأوه قطا ونسرا وسحابا منذ عقدين من الزمن لم يعودوا اليوم يرون فيه غير مدع خذلهم جميعا عندما أعاده عفو ملكي كالمذنب، كأي لص عفوا عنه".

  تتحول صورة البطل المقاوم رويدا إلى ان تتخذ صورة خسيسة في المتخيل العام. وتتغير حالة البطل النفسية والإجتماعية بشكل مواز، فبعدما كان مقاوما في 53 يدور في الدواوير ويؤطر الناس لمواجهة الإستعمار، صار لا حول ولا قوة له " يرفع اليد ويخفضها" مثل محارب نازف انتهت حربه من سنوات ولم يلتئم جرحه "زرع مربعا من الطابا حول البيت يظل ينظفه ويسقيه ويراقب نموه………… منكمش مقوس القامة. وعلى صدره قشرة صفراء داكنة متكلسة من نشوق ولعاب ومخاط ومرارة". هل يمكننا القول أنه تقزمت صورته على كافة المستويات؟ بعد أن اتخذت في النهاية رسم لص على مستوى المتخيل العام و رسم شكل من أشكال الجنون على المستويين النفسي والإجتماعي؟

  إنها سخرية التحولات والأحوال في رواية ميترو محال وفي لعبة إسمها السياسة في بلد دخل للتو في فرصة كان يمكنها أن تنتج غير ما أنتجته!

  لقد هيمنت السخرية اللاذعة لغة وبناء عوالميا وفي تشكيل الشخصيات، هذه الاخيرة التي ستبدو و كأنها كلها استنساخ لصورة القزم " ميترو محال" وذلك عبر حدودها المتشابهة والتي يطبعها توقف النمو إما فكريا أو جسديا أو حركيا وهذا مايمكن تلمسه أيضا عند إلقاء الضوء على كيفية تناول الرواية للبعدين الثقافي والإجتماعي لمغرب مابعد الإستقلال، مع الإشارة أنه بأية حال من الاحوال لا يمكن فصل السياسي عن الثقافي أو الإجتماعي في هذه الرواية، وأن مانقوم به ليس سوى فصل من أجل وصل، وإعطاء صور وأبعاد جزئية من أجل واحدة كلية صاغتها الرواية متداخلة، متشابكة وساخرة، وذلك من أجل تقديم عالم يروم قارئين، أحدهما ستتحقق له المتعة فقط  وآخر بإمكانه اكتشاف معاني أخرى مدسوسة. إنها مثل حكاية الجدات ومثل كليلة ودمنة لا تتغيى التوقف عند حدود حكيها. 

 

نشر هذا المقال في عدد سابق من جريدة المساء المغربية

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



كل الحقوق غيرمحفوظة للناشر ولذلك يمكنكم إعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها

-لاحول ولا قوة في بلد مثل بلداننا العربية-