رامبو السينما: الماء مكان للحلم والخلاص
كتبهارؤى ثقافية ، في 4 ديسمبر 2006 الساعة: 06:43 ص
رامبو السينما

عبد الاله غاوش
بحلول السادس و العشرون من شهر أبريل الماضي ، تكون قد مرت مائة سنة على ولادة » جون فيغو« ، المخرج السينمائي الفرنسي ، الذي دخل تاريخ السينما من بابه الواسع ،بأربعة أفلام فقط ، ثلاثة منها قصيرة و واحد روائي مطول ، و لكن برؤية جديدة ، طليعية حتى بمقاييس الحاضر ، تتكئ على لغة شعرية مرهفة لقراءة » الواقع « الذي ليس » واقعيا « تماما ، و قد يرهن » فيغو « على ذلك حتى في أفلام وثائقية مثل » حول نيس « أو » فيما يخص نيس « ( أنظر الفيلموغرافيا ) و » تاريس ، أو السباحة « حول بطل فرنسا في السباحة » تاريس « ، لقد أسس » فيغو « لكتابة فيلمية حلمية تتوسل أدوات الشعر للتعبير عن الواقع كتابة لا تفصل بين » الواقعي « و » الشعري « واضعهما بين مزدوجتين لالتباسهما الشديد في فيلم » فيما يخص نيس « تجاور ، عبر المونتاج ، لقطات » واقعية « لمدينة » نيس « ينتج عنه انفجارات شعرية ( مجاز ، استعارة ) مشحونة بالموسيقى ، الفكاهة و النظرة اللاذعة ، تكشف عن رؤية نقدية ، لا تستسلم للظاهر المخاتل، مثال ( تجاور لقطات الفتيات اللواتي يرقصن في الكرنفال و هي لقطات مليئة بالموسيقى و فرح الحياة ، ثم لقطة للصليب في أحد المقابر ، حيث تصمت الموسيقى و يسود الجمود و السكون ، ثم من جديد الفتيات الراقصات ، و الموسيقى المليئة بالحياة ) هذا الإستعمال المجازي ينتج عنه » واقع « آخر لا تراه إلا عين الشاعر السينمائي ، هناك أمثلة كثيرة لا يتسع المجال لحصرها و ندعو القراء للعودة إلى قرص D.V.D الذي أصدرته شركة » GAUMONT « و يضم الافلام الأربعة التي خلفها » جون فيغو « . لقد لقب بعض النقاد السينمائيون » جون فيغو « »برامبو « السينما ، للغته السينمائية ، و لكن أيضا لتشابه مساريهما الحياتي ، الأعمال القليلة و المهمة التي خلفها ، الموت قبل الأوان ، التمرد ، و النبوغ في سن مبكرة ، فقد توفي » جون فيغو « عن تسعة و عشرين عاما نتيجة لداء السل ، و قد ولد لصحفي » فوضوي « اتهم بالخيانة و أودع السجن لكنه سرعان ما انتحر داخل أسواره ، و قد عاش » جون « باسم مستعار فترة من حياته قبل أن يعود إلىاسمه الحقيقي ، فترة تكوين » فيغو « الثقافية كانت غنية جدا، الفوضوية ، السريالية ( في تلك الفترة انتجت أفلام مثل » كلب اندلسي « للويس بونويل ) التحليل النفسي…الخ لكن » جون فيغو « لم يغرق تماما في تلك المدارس و الاتجاهات الشديدة التأثير في تلك الفترة ، و دعا إلى » سينما اجتماعية « لكن لا يمكن إنكار تأثير تلك المدارس و الاتجاهات على افلامه ، الفوضوية تبدو واضحة في فيلم » حسن السلوك صفر « أو السريالية في » أطلانط « عبر شخصية » الأب جيل « ، خاصة في مشاهد غرفته التي تزدحم بأشياء و تحف جمعها عبر حياته الطويلة كبحار ، و » جولييت « حين تتجول بين محتويات الغرفة نشعر كأننا بإزاء سرد لحلم، أو تدفق لا وعي مُجَمَّلٍ بصور لا رابط بينها ، » ظاهريا « على الأقل ، هذا » الشطح « البصري نراه لدى سينمائيين سرياليين مثل » بونويل « و » دالي « . و لقطة اليد المحفوظة في زجاجة لها التأثير نفسه للقطة »العين و الشفرة « في فيلم » كلب أندلسي « » لبونويل « من وجهة نظري .
المدينة كلا مكان
في سينما » فيغو « نلاحظ تلك العلاقة الإشكالية مع المدينة ، كمكان للفقدان للضياع ، للرياء الإجتماعي و الإستلاب … إلخ في فيلم » فيما يخص نيس « الوجوه تتماهى مع أقنعة الكرنفال كإشارة إلى الرياء و التصنع …ثم السياح الذين يشار إليهم في لقطة ممنتجة كدمى…الخ في » أطلانط « تتضح الصورة أكثر حيث تتحول المدينة إلى جنية ( كالنداهة في قصة يوسف إدريس الشهيرة ) تغري البطلة » جولييت « القادمة من قرية صغيرة ، تدعوها إليها عبر كلمات المهرج الجميلة عن باريس ، و عبر الراديو ، فتحلم بالذهاب إليها حتى إذا اتخذ ذلك الذهاب شكل هروب من السفينة » أطلانط « أو من زواج حديثة العهد به ، و عندئذ يبدأ التيه و الضياع ، في لقطة معبرة جدا ، يمكن أن تختزل كل هذه الأفكار ، تقف » جولييت « أمام الواجهة الزجاجية لمحل تجاري يعرض دمى ميكانيكية لنساء و رجال بملابس أرستقراطية ، تتسمر » جولييت « أمام حركة الدمى المدهشة ، و تدريجيا تركز آلة التصوير على زجاج الواجهة فنفطن إلى أن صور الدمى و المارة في الشارع تتداخل حتى أننا لا نعود نميز بين الإثنين . الجسد الذي يتحول إلى دمية تيمة تتكرر أيضا في فيلم » فيما يخص نيس « من خلال دمى السياح في المشاهد الاولى من الفيلم ثم عبر الأقنعة الكرنفالية ، و حتى في فيلم » حسن السلوك صفر « يتمرد التلاميذ الصغار على نظام جامد يرمي إلى تحويلهم إلى دمى ، و يمكن تعقب تيمة الإنسان – الدمية أو الإنسان – الشيئ بسهولة عبر أفلام » فيغو « الأربعة ، لأن سِينِمَاهُ تسعى إلى مقاومة الإستيلاب و الإغتراب .
الماء : مكان للحلم و الخلاص
مقابل تيمة » المدينة « التي تأخذ بعدا سلبيا في أشرطة » فيغو « نجد رمزية الماء كرحم ، كمكان للحلم و النجاة ، و استعمل كلمة » رحم « عمدا، لأن الماء يتحول إلى نوع من الفضاء الحيوي الذي يجد فيه الجسد حريته ، كأنه مكانه الطبيعي ، كأننا بإزاء علاقة جنسية بين الماء و أبطال » أطلانط « و » تاريس أو السباحة « ، هناك لذة شبقية نحسها حين يغطس » جون « تحت الماء ، آملا أن يرى الحبيبة، حسب المأثور الشعبي الذي يقول أن العاشق حين يفتح عينيه تحت الماء يرى المعشوقة ، ذلك المشهد الشهير سيبقى راسخا في خيال عشاق الفن السابع : » جون « تحت الماء فاتحا عينيه مصطدقا بالمأثور الشعبي و بعشقه ، ثم تظهر » جولييت « في فستان العرس الأبيض سابحة و عالقة بالماء كأنها تحلق ، الماء عند » جون فيغو « فضاء للحلم و النجاة، سفينة » أطلانط « تقف في الجهة الأخرى مقابل المدينة – النداهة باريس : الخروج من » أطلانط « من النهر ، من الماء يساوي الضياع في المدينة – المتاهة المزدحمة بالدمى المستلبة ، حتى فيلم » تاريس أو السباحة « و هو ، بالمناسبة ، فيلم وثائقي ، إذ نرى » تاريس « بعد أن يعطينا درسا في السباحة نراه تحت الماء كأنه يغازله ، كأنه يحلق تحت الماء ، ثم في النهاية نراه يمشي فوق الماء مثلما فعل المسيح!!في فيلم » حسن السلوك صفر « و في المشهد الختامي ، بالذات ، نرى الأطفال بعد أن يثوروا على كل شيئ في المدرسة و هم يبعثون بالوسائد و محتوياتها ، ثم في حركة بارعة من المخرج يقوم بتبطيئ الصورة فيبدو الأطفال الفرحون و الذين تحرروا في النهاية كأنهم عالقون بالماء في مشهد ساحر لا يقل روعة عن مشهد غطس » جون «تحت الماء في » أطلانط « .
الجمال هو التوازن
يبقى أن نشير في النهاية إلى نقطة أساسية في فيلم » أطلانط « ، و هي التي تجعله فيلما معاصرا تماما ، و هي ذلك التوازن البارع و المرهف بين ما نرى و ما نسمع ، بين الصوت و الصورة ، إذ تتوزع الموسيقى و الأغنية و الرقص بشكل مدهش عبر مراحل الفيلم، و لا يطغى أي عنصر على الآخر ، » أطلانط « ليس فيلما غنائيا ، لكنه يستعمل الموسيقى و الأغنية كعناصر أساسية في السرد ، خاصة أغنية» البحارة « التي تتكرر عبر مراحل الفيلم ، كأنها كناية عن علاقة الحب بين » جون « و» جولييت « ، و الأب » جيل « حين يذهب إلى المدينة للبحث عن » جولييت « يعثر عليها داخل متجر بيع الأسطوانات الموسيقية و هي تنصت إلى الأغنية نفسها .
فيلموغرافيا » جون فيغو « JEAN VIGO
»- عن نيس « أو » فيما يخص نيس « 1929 1- A propos de Nice
»- تاريس ، أو السباحة « 1931 2-Taris , ou la natation
»- حسن السلوك صفر « 1933 3-Zero de conduite
»- أطلانط « 1934 ‘Atalante L-4
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سينما | السمات:سينما
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























































مارس 6th, 2008 at 6 مارس 2008 9:22 م
الحرية لفلسطينوالاسرى