ليتني أعمى
كتبهارؤى ثقافية ، في 3 ديسمبر 2006 الساعة: 21:51 م
إبدالات الكتابة الشعرية في القصيدة المغربية
"ليتني أعمى"
لمحمد بنطلحة
محمد علوط
كتب محمد بنطلحة الكثير من شعره مابين مدن مغربية متباعدة الأنحاء. فاس: العتبات الأولى في هشاشة الحلم، وطراوة التجربة الندية، ومواقع الاختبار الذاتي، التي تبدو كمحفل لطقس رمزي، يمكن أن نلملم الكثير من عناصره، المطرزة، الموشية، والمرقمة، لأناشيده الشعرية الأولى، وعبر امتداد تجربته الشعرية عارمة.
و مراكش: سفر الاستقصاء، الذي يصل الشمال بالجنوب المغربي، في رحلة أوديسية، اكتنز فيها الصوت الشعري بأثقال العناء الإنساني، من قسوة تضاريس المشهد السبعيني، إلى التواءات ومنعرجات المشهد الثمانيني، وغربة الأمداء التسعينية، لتجربة إبداعية، قاومت بضراوةٍ شتَّى دواعي الانكسار والإحباط، في مختلف آفاقها الإنسانية، والاجتماعية، والإيديولوجية.
ثمة مداخل متعددة لقراءة تجربة شعرية مثل هاته، بعيدا عن القراءات التصنيفية التي تحول الكتابة الإبداعية إلى ترسيمات هندسية متاهية، خالية من عطر الشعر، ووهج ألوانه، واستنارات رؤاه، وامتداد رحابته التي ترفض ضيق العالم وانحسار المعنى وتلاشي الذات وضآلة الوجود.
فلئن بدا ممكنا استكناه مقامات هذه التجربة في ديوانه الأول "نشيد البجع" (ط1، 1989، ط 2 1996)، كمحيط إبداعي، من حيث إدراكنا لمتخيله الشعري، كمتخيل يستند إلى "استعارة الصوت الملحمي" تلك الأليجوريا التي تستنبت المعنى "البروميثيوسي"، وتكتب من خلاله رؤيا ملحمية للواقع الإنساني، وهي لا تكف، دون هوادة، عن استعارة مختلف الصور والرموز والأقنعة والأساطير المتصادية مع هذه الرؤيا، إثباتا ونفيا، من عمق تجربة لم تكن فقط تشرع مسافات حوار مع المنجز الشعري المغربي (من السبعينات إلى منتصف الثمانينات تعميما…)، وإنما أيضا، كانت تحاور القصيدة الحداثية مشرقيا في سجلاتها الموازية، التي يمكن توصيفها ب "الشعر الرؤيوي"، التي هيمن عليها أسلوب أدائي تميز بشعرية غنائية تعتمد أبنية إيقاعية ظاهرة، وتعمل على أسطرة الأقنعة، ووضوح الامتداد الإديولوجي المحايث للتجربة الشعورية، وتكسير أبنية المكان والزمن (السياب، البياتي، عبد الصبور، أدونيس.. ومن لف في هذا الصوب).
في هذه اللحظة الإبداعية كتب محمد بن طلحة قصائده الأثيرة "مواويل العزاء" مستحضرا رمز العنقاء، وقصيدتا "خولة" و"ديوان الحال" الأقرب إلى تمثل الصوت الملحمي، وقصيدة "ديوان الشهادة" التي تجتلب صوت الشهيد ورموز التضحية والقربان، وباقي القصائد الأخرى من هذا الديوان التي توزعت بنيته الرمزية أيضا على اعتماد تنامي المعنى الشعري، من خلال امتدادات "الاستعارة المائية" (في رمزية الميلاد) و"الاستعارة النارية" لاستنارة رؤيوية: لجنائزية عالم آفل وتنبؤ بانبعاث عالم جديد ومغاير، ومن عمق هذه الرؤيا يمكن استجلاء المعنى الشعري في قصيدة "نار القرى"، حيث نقرأ منها:
"مازال نبض الوريدين ينقل نارين: واحدة للحريق،
وثانية للتداوي بها. هاك قلبي تجده براكين
تشهق.
(…)
ليت المنازل تفتح أبوابها للوجوه التي أشْرقتْ
في رسيس الزنازن سمرتها، والوجوه التي
افترشت دفتي وطن عرضه زمن سيجيء،
وشمسه أحلى. فلا خجل الآن. بوغاز
طارق متسع للحرائقِ. والقلب نار تضيء".
(ص 37-38)
النقلة الشعرية، النوعية في تجلياتها، ضمن هذا المسار الشعري المتحول، شَغَلَتْ مساحة ديوانين تاليين وهما "غيمة أو حجر" (ط 1، 1990.ط2 1995) و"سدوم" (ط 1، 1992). وكانا معا نزوعا قويا لارتياد أفق شعري مغاير, تشكَّل في حميا الرؤى الرافضة لنسقية "الشعر الرؤيوي" ومستنداته الجمالية (سابقة الذكر) والإيديولوجية التي صارت تحد من فاعلية الإبداع الشعري الحر. ويمكن أن ننظر إلى هذه "الثورة الانقلابية" كتمرد ضد النسق الشعري المتشابه، وتكلس الجماليات الكتابية، وتحنيط أفق انتظار القصيدة، لأنها لم تعد مغامرة في المجهول القابل للاستكشاف، بل مراودة سيزيفية للمتشابه الشعري وألفة فضاءاته المحدودة والمغلقة.
ينزع الشاعر في قصائده الجديدة إلى تأزيم الشعرية الغنائية (انطلاق النسق التفعيلي، الأسلوبية التكرارية، والتجنيسية، والتناسب التركيبي) باللجوء إلى شعرية تراهن على كثافة المشاهد الشعرية و تشذير القول الشعري,و تهجين الكتابة الشعرية,و أسلبة النثر، والذهاب نحو حدود قصوى في تحطيم الأنساق النحوية والتركيب الدلالي، وبلاغيا تنحل عقد القصيدة مع التطعيم الحسي للصور الشعرية، مقابل انتحاء لغة تجريدية، وهو ما سيربك أفق توقع القارئ الذي تعودت ذائقته الشعرية على محافل النسق الشعري المتشابه الذي كان سائدا لأمد طويل قبل ذلك.
بالطبع، كان الأمر رهانا على التحول، قد نستطيع استجماع أبعاده في القول بأن ثمة غاية إبداعية ملحة وهي البحث عن كتابة شعرية ذات أفق مفتوح، قد أخذ عند شعراء آخرين موقف الالتزام بقصيدة النثر، في حين اكتسب تلوينا جديدا، في مثل هذه التجربة، ارتسم من خلال المستويات سابقة الذكر، مثلما نهج مسالك مغايرة، منها، في جانب، محاورة القصيدة لأجناس تعبيرية غير شعرية كالتشكيل وثقافة الصورة.. والاشتغال على المكان الرمزي، والتفاصيل، ومن جانب آخر تحولُ القصيدة إلى مساءلة قلقة، معرفية وفلسفية، لكل من الشرط الجمالي والشرط الإنساني للوجود الشعري باعتباره مجازا للكينونة.
ولكي يتمثل القارئ أبعاد هذه التجربة الشعرية، فإننا ننتبه بكل يقظة جمالية إلى تعدد مواقع لجوء الشاعر إلى "مرايا" القول الشعري، ونقصد بذلك، اعتماد "اللغة الميتاشعرية" التي صار الشاعر من خلالها يجلس إلى ذات المقعد مع القارئ، ليكتبا معا القصيدة وتأويلها، على أن ندرك بأن هذه العلاقة لا تأخذ بعدا خطيا أو تبوثيا، بل ينزع الشاعر إلى استغواء القارئ لاستيعاب شعرية البناء المنفتح للقصيدة، وتنسيب المعنى الشعري، واتساع رقعته الدلالية، في فضاء احتمالي، يتكئ على مقومات أسلوبية كالسخرية التي تعج بالمفارقات والالتباسات، والانعكاسات المتعددة للمعنى في "مرايا" القول الشعري، والأخذ بناصية كتابة لعبية « ludique » ، تجعل الصورة ونقيضها يتجاوران في تنضيد موضوعاتي بأبعاد رمزية.
أحب أن أتعلل في هذه القراءة بقصيدة من أقوى ما كتبه محمد بنطلحة في ديوانه "غيمة أو حجر" وهي "برج البطريق" حتى ونحن واعون بأن مقاربة التجربة الشعرية ترفض القراءة الجزئية للنص الشعري، إذ في الواقع، نحن ننطلق من استخلاصات كلية تنامت عبر تأمل مستفيض، إلا أن سياق الكتابة النقدية يكرهنا على الاستدلال الجزئي، لتبقى مهمة التحري الجمالي موكولة لعزم القارئ وكفاءة قدرته في عملية التلقي.
يهمنا، إذن، أن نؤكد بأن القصيدة الشعرية في "غيمة أو حجر" كما في "سدوم" ارتهنت أساسا برؤيا التحول التي راحت تتخلص من منظومة الشعر الرؤيوي، الذي كان التحول قد انحصر فيها في البعد الإيديولوجي. وان الشاعر في هاذين الأثرين الشعرين جعل الكتابة اصطداما عنيفا مع "الذاكرة الشعرية" في مطلقها الأدبي. لم يصر المعنى يتشكل من الاشتغال على اللغة كما ذهبت إلى ذلك بعض القراءات الضيقة الأفق، وإنما من محاورة الإرث الشعري والجمالي، وهي محاورة ذاتية تجعل المعنى الشعري يتوغل ساريا في نسج العلائق والوشائج مع شجرة أنساب المعنى الشعري، في بعده الإنساني. لذا نلتفت إلى كثرة الإحالات إلى القصيدة الإغريقية والشعر الدرامي وعصور الشعر العربي من حقبة الجاهلية إلى التراث الأندلسي، عبورا بتخوم الشعر الحداثي في مرجعياته الشرقية والغربية، فتزاحمت اللغة الشعرية "الخالصة" باللغة الشعرية "الواصفة"، وعجت القصيدة بالإحالات إلى الأسماء والأمكنة (بشار، البحتري، أبو نواس، ابن زيدون، أرسطو، بروكست، أوديب، باختين… الخ). إذ هذه تحديدا، هي الدواعي التي جعلتنا نوجه القارئ إلى ضرورة الرجوع لتأمل قصيدة مثل "برج البطريق" من باب الاستدلال المفيد.
وإذن فلقد راكمت هذه التجربة الشعرية تحولات عميقة في كل من الديوانين الثاني والثالث، وللأسف كان النقد الأدبي وقتها منشغلا بالتلمذة على المناهج الغربية الحديثة مما عاقه دون الإنصات الواعي لتحولات هذه التجربة، وهو تحول أخذ أبعادا عدة من خلال شعراء آخرين انعتقوا من ورطة الشعر الرؤيوي ونخص بالذكر أسماء مثل محمد السرغيني وعبد الله زريقة ومحمد بنيس وعبد الكريم الطبال ومحمد الصابر.. من بين آخرين.
هل تخلى الشاعر، إذن، عن الوظيفة الاجتماعية للشعر؟ إننا لا نتصور ذلك نفيا، إلا على نحو مغاير، فالأصل أن نقول أنه تم تغيير هذه الوظيفة لتنصهر في أفق ارحب وهو الوظيفة المعرفية. وهي وظيفته الأصلية والبدئية أي إنتاج معرفة بالذات والواقع والوجود, بصيغة إبداعية تحررنا من النماذج المعرفية الجاهزة. أي البحث عن نسق شعري ومعرفي يواكب تحولات الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، الأصل في ذلك تحرر الشاعر من الإبداع المؤسساتي ومن الأنماط الثقافية الجاهزة، ومن الإدراك والتلقي المسكوكين.
يجعلنا هذا نتوقف في مدارج هاته القراءة عند الديوان الأخير للشاعر "بعكس الماء" (ط 1، 2000)، الذي لا نراه يتمترس في مواقع الغربة بالقياس إلى الديوانين السابقين، بل نجد فيه الشاعر يرتاح من وطأة تشغيل عدته الجمالية المراهنة على المغايرة والاختلاف بعد أن اكتسب النص الشعري مداه الإبداعي المتميز. وغدا الشاعر نزاعا إلى مساءلة المعنى الشعري، أو بالأحرى مساءلة الوظيفة الشعرية.
إذ سيعمل على إقامة حوار متخيل بين موضوعتي "الماء" و"الخمرة". الأولى بكل محمولاتها الرمزية التي تمثلها الشعر العربي على امتداد مساره الطويل، والثانية في تعالقها بثنائية الصحو والسكر, كمقامات في تجلي العرفان الصوفي، يتوغل من خلالها الشاعر في استكناه العرفان الشعري لراهن القصيدة ولراهن الكتابة الشعرية في الحاضر القائم.
صار الاشتغال على المعرفة الشعرية وكذا القصيدة، لكن بإبدال جديد، وهو رفض المعنى الجاهز ورفض الوثوقية، كما تؤشر على ذلك العديد من السياقات الشعرية:
مقطع (1): النبيذ هو السبب
كم قلت هذا
ولكن
كم تناقضت مع نفسي
وأنا أحلم
مقطع (2): في شتاء مضى
اللغة
حينما عميت عن كل شيء
تطوع الصمت
وصار عكازها
تتمثل القصيدة الذات والواقع والوجود الإنساني في غور عملية الكتابة ومن داخل منحى استكشافي، لاأكتب القصيدة لأعبر عن هذا الذي أراه بل عما أحاول أن أراه مما ينحجب في عماء العالم من حولي. إن موضوعة "العماء" بكل ثقلها الأوديبي ووقعها التراجيدي هي المسلك المحايث لإنتاج المعنى الشعري. والشاعر متماهيا بهذا الرمز يدفع بالقول الشعري نحو ردم الحواجز الموضوعية، أو الوهمية، بين المرئي واللامرئي، بين الممكن والمحتمل بين الظاهر والباطن، بين الشعور واللاشعور.
فالرؤية الشعرية الآن تقاوم الحجب التي تمنعها دون التمثل الحقيقي للعالم، تمنع الحقائق المطلقة، وتتجه نحو المعنى الذي تنتجه الكتابة التي تسعى إلى رؤية العالم على نحو مغاير، حيث التنسيب يحرر المعنى من عماء المطلق وشراسة سطوته في واد لا يكف يقدم للذات عالما من المطلقات واليقينيات التي تنكسر عند أو اختبار معرفي وإنساني.
إن الاشتغال على "غياب المعنى" هو المعنى في تشكله من خلال قلق السؤال الشعري الذي يهجس بقصيدة تسعى إلى أن تعيد رسم صورة العالم في رهان الاندفاع نحو المستقبل، بدل الالتفات إلى الماضي، أو الاغتراب في هرمسية لغوية كما لدى بعض الشعراء، أو الرومنسيات النوسطالجية التي تجعل الذات تمحي في عناصر الطبيعة كما لدى شعراء آخرين.
ذلك هو محمد بنطلحة، شاعر متعدد، تحاور تجربته الإبداعية ذاكرة الشعر ورهانات الأجيال. فالزمن الشعري لديه محمول على أكثر من واجهة. ومنجزه النصي يمتلك ثراء جماليا ومعرفيا مفتوحا على أكثر من قراءة وتأويل.
* هامش:
تم الاشتغال على الأعمال الشعرية الكاملة من خلال الطبعة الأخيرة "ليتني أعمى" الصادرة عن مطبوعات "فضاءات مستقبلية" ط 1. 2002.
ناقد مغربي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات ونقد | السمات:دراسات ونقد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























































أكتوبر 3rd, 2007 at 3 أكتوبر 2007 12:49 ص
ماذا يسعني أقول في هذا البستان الرائع ،الذي
تلون بروافد ثقافية على مختلف المشارب ،ضاربا أطناب الفلسفة
حتى الجذور ،حافرا في الأدب حتى الأعماق ، شعرا وسردا
ونقدا ،ملما بما تزخر به الفنون بمعنى الكلمة سينما ،ومسرحا ،باختصار تجولت ،
فأرويت صحرائي من معين شلال منهمر لايعرف التوقف ،
مزيدا منن التألق