الأعمى في العتمة
عبدالوهام سمكان
كنت مستلقيا على السرير الوحيد في غرفتي السطحية. النافذة كانت مغلقة، فالفصل خريف طاحن، والضوء كان مطفأ. كنت أعرف أنني لن أنام بسهولة، فأعصابي متوترة وقلبي يتألم. لهذا حاولت الإستلقاء على السرير والتأمل في العتمة دون التركيزعلى شيء أو فكرة بعينها، وذلك بغية الحصول على سلام داخلي يقلني دون توتر إلى عالم نوم أرغبه هانئا، وسط خليط من المشاعر المتضاربة. وهكذا فجأة حدث ماحدث: زارني الأعمى!
كنت مستلقيا، مسترخيا، أحاول أن أترك لي حرية التنقل بين الأزمنة و الأمكنة والصور والذكريات البعيدة، باعتبارها متاهات ساحرة، غير أن فشلي الذريع قبل لحظات، قبل أن أطفئ الضوء و أستلقي، قص من فرصة سلامي الداخلي المنشود. قبل منتصف الليل ببضع دقائق كنت أنهيت قراءة آخر حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة. وقد ترك ذلك في داخلي إحباطا مؤذيا ومضاعفا، يضاهي إحباطي من كوني صاحب طاولة لشواء النقائق، مطارد وغير مرغوب فيه. لم أعرف كيف حدث ولم أجد في كتاب الليالي حكاية " بائع الذرة المقلية مع العبد مسعود و خليفته الطاغية ". إنها حكاية مؤثرة وجميلة، كنت قد قرأتها قبل ما يقارب عشر سنوات، عند قراءتي الأولى في طبعة رديئة لكتاب الحكايات، ولم أعرف كيف استيقظ في الحنين خلال الأيام الاخيرة إلى تفاصيل تلك الحكاية، وسكنتني إلى درجة بدأت أتخيلها ذكرى من ذكرياتي الحميمة، مما دفعني إلى البحث عنها مجددا وسط بحر من الحكايات لا ينتهي.
بدأت بحثي أولا في فهرس كل جزء على حدة، غير أني لم أعثر على حكايتي ، فاستكنت إلى فكرة مفادها ان ذاكرتي حقا صارت مثقوبة. لقد آمنت في توتر مفرط أن الحكاية موجودة ولكنها بلاشك تحمل عنوان آخر. كنت أعرف أن المضي في هذا الإتجاه ليس سوى حمال يأس، لذلك قررت الحد من توتري والبحث مجددا. وضعت الأجزاء الأربعة قرب السرير، وتوهما مني لتوفير بعض الوقت، بدأت أفتح الأجزاء حيثما أتفق وأقرأ جزءا من الحكاية المفتوحة وانا اقر أنني حين سألمس فيها مؤشرا ولو ضئيلا إلى حكاية بائع الذرة، أعود وأقرأ الحكاية من أولها. غير اني وجدتني اسقط في فخ حكايات جاذبة، وصارت كل حكاية ترميني إلى أخرى دون أن أعثر على حكايتي، وببساطة تَقَبٌّلٍ ادركت أن المضي في هذا الإتجاه هو متاهة المتاهات، فكم من حكاية وجدتها الكاذبة وكنت المخدوع. وهكذا قلت أن لابد مما ليس منه بد، وأعدت قراءة كتاب الليالي.
في الدرك الأسفل من الهزيمة، وجدتني أغوص في ظلمات من التمني والتوهم والتعجب والإستفهام، بعد ان انهيت كتاب الحكايات دون ان اعثر على حكايتي. كنت متأكدا اني قرات الحكاية من قبل، كتاكدي من أنها ما ينقصني في تلك اللحظة!
كنت مستلقيا. الصراع في أوج غباره بين فكرة الإسترخاء و الـتأمل وبين حقيقة الهزيمة المنغصة. وكانت الغرفة شديدة الظلمة لا يكسرها سوى خيط نور يتسرب خفيفا من فتحة بين ردفة الباب وإطاره. وفجاة من تلك الفتحة تسرب هو .
كنت مستلقيا على ظهري، واضعا مؤخرة راسي على الجدار المقابل للباب، وكان الجزء الاخير من الف ليلة وليلة قرب السرير على أرض الغرفة العارية والباردة، وكنت أضع يدي اليسرى عليه، حين لمحت في لحظة طعن لإغفاءة محتملة ضوء الفتحة يغيب لثانية، وظلا ما كانه شبح يتسرب كخيط دخان ويتضخم فجأة إلى درجة اني رأيت منخطفا بعد لحظة سقوط الضوء المتسرب على جانبه الأيمن ذو العكاز، و تخيلت تحركه المتثاقل إلى الجهة الأخرى من الغرفة، حيث يوجد مكتب صغير مصنوع من تكوم جرائد قديمة بانتظام فوق بعضها البعض ومغلف بقطعة بلاستيك مزوقة، وقربه توجد مكتبتي الصغيرة التي صنعتها بنفسي من أخشاب مهترئة. كانت العتمة في أشدها حين سمعت صوتا هو نفسه الصوت الذي تصدره قوائم الكرسي الحديدية عند احتكاكها بزليج الغرفة. أحسست برعدة وفكرت برمي البطانية عني والوثوب لإشعال الضوء، بينما أتمتم بإيمان مباغث: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ومع إتمامها دوت في الغرفة ضحكة مجلجلة ألزمتني فراشي قبل أن ياتيني صوته رخاميا:
- مابك؟ … أتخاف الأشباح؟ كانت الكلمات كأنها ملفقة! ثم سمعت ضحكة أخف من الأولى، ورغم هلعي شممت فيها رائحة معرفة بعيدة!
- …….
- مابك صامت؟ غادر خوفك … فانا على اية حال لست كلبا من كلاب سوقك. ! ثم نفس الضحكة الصغرى التي لمست ألفتها هذه المرة اكثر..
- من أنت؟
- …. !؟ أتريد أن توهمني أنك لم تعرفني؟ لابأس… أقول لك من أنا… أنا الأعتم. قهقه قليلا واردف: ألست أنت من يسمني الأعتم؟.
- من أنت؟
- ويحك! أنا بورخيس… خورخي لويس بورخيس.
مررت أصابعي على عيني محاولا أن أميز حقيقة أني لست نائما؟ مان الهلع قد غادرني رويدا، وكلاب السوق تراجعت عن مخيلتي، فقررت أن أحسم الأمر، وللتو فكرت بإشعال الضوء قبل أن توقفني كلماته:
- أعلم أنك الآن تفكر في أن تراني كفاية… تريد أن تحسم أمرك. لكن إعلم ان فكرة الضوء لن تجعلك تراني أبدا.
- إذن أنت لست بورخيس. قلت شبه مغتبط.
نظر إلي بإمعان وهو يسحب نفسا عميقا من سيجاره الكوبي الثمين، ولم أكن أعرف قبل تلك اللحظة أن بورخيس يدخن، مما سيقوي شكي في كلامه، وكنت خصوصا أستغرب تدخينه لسيجار كوبي باهظ الثمن، هكذا كنت أفكر، غير أن انعكاس الضوء المنبعث من السيجار على ملامح وجهه أسقطني في الحيرة. لقد كان فعلا هو بجبهته المتغضنة، وشعره الرمادي، ولونه المائل إلى الحمرة، وأنفه الفقري، وجفني عينيه البحيريتين، والفراغ الكبير الممتد بين فتحتي أنفه وشفته العليا دون شارب، وذقنه المتساقط. تبا، إنه هو فعلا! كما رأيته سابقا في الصور، ومثلما كنت أتخيله! أحسستني اتمرغ في حيرتي قبل ان ينتشلني مجددا:
- أتعلم أنك في شكك تذكرني بآخري؟ بخورخي لويس بورخيس حين التقيته ذلك الصباح من سنة 1969 في مدينة كمبردج، حين كنت أستريح على مقعد أمام نهر شارل… طبعا أنت تذكر هذه القصة، لأنها في نظرك أردأ قصة قرأتها، رغم أنها في أعماق لا شعورك سحرتك عميقا!
أجبته متباهيا:
- إعلم جيدا انه لم تعجبني أي من قصصك! فبالأحرى ان تسحرني تلك القصة الرديئة! أنت شخص نرجسي حتى بعد موتك، وحتى عندما تأتي ضيفا متوهما! ولعل الأرجنتيين حقيقون بموقفهم منك ومن إبداعاتك المستغلقة عليك في برجك الوهمي. أما بالنسبة لي فما سحرني في العمق، فليس قصصك وإنما طرائق تناولاتك وتقنياتك.
لم أعرف كيف واتتني الكلمات في ردي الأخير، وأحسست ببعض الندم، فسواء أكان الجالس في غرفتي شبحا وهما أم بورخيس ذاته، ماكان علي أن أكون صريحا، جارحا، وعدوانيا حتى تلك الدرجة. لقد كان بالإمكان ان تكون ردة فعله صارمة، ولعل أبسطها ان يغادرني. وأنا في تلك اللحظة كنت
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ